الثلاثاء، 22 يوليو 2025

صراع الرموز في محكمة العبث بقلم الراقي طاهر عرابي

 “صراع الرموز في محكمة العبث”


في عالمٍ باتت فيه العدالةُ شعارًا معلّقًا على جدران الصمت،

وفي زمنٍ تتصارع فيه الرموز أكثر من البشر أنفسهم،

تُعقد “محكمة العبث” كأنها محاولة يائسة لفهم اللاجدوى،

أو ربّما لمحاكمة الضحك في حضرة الخوف، والذنب في غياب المعنى.


من خلال حيوانات تتكلّم، وتتهم، وتدافع، وتُدان —

يحاول النص أن يُعيد ترتيب أسئلتنا الكبرى:

من المسؤول عن الفوضى؟

من يملك الحقيقة؟

ومن يجرؤ على الصمت؟

هل نحن شهودٌ على محكمة حقيقية، أم متّهمون في حلمٍ رمزيّ؟

وهل الحصى أصدق من الغراب؟


في هذه القصيدة،

العبث ليس تهمة، بل نظامُ حكمٍ كامل،

والرموز ليست استعارات، بل كائناتٌ تفكّر، وتحاكم، وتُعذّبُ باسم المعنى.



صراع الرموز في محكمة العبث


(قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي)

دريسدن – 02.09.2024 | نُقّحت في 22.06.2025


كان يومًا حزينًا،

لا تُؤمِنُ بشَمْسِه الأرضُ، ولا حتى السماء،

الكُلُّ غائبٌ عن النفع،

غارقٌ في متاهاتِ الغياب،

حتّى في أوقاتِ الحضور.


الهواءُ يُحرِّكُ الأغصانَ المتعبةَ من حِملِها،

ويزيدها ذعرًا،

وزوّارقُ في بحيرةٍ،

حُرِمَت السكينةَ،

حتّى في وقتِ السكينةِ،

لا تَكُفُّ عن إثارةِ الخوفِ في الأسماكِ الصغيرة.


كُلُّ شيءٍ يوحي أنّهُ خُلقَ لشيءٍ اسمهُ الضجرُ،

والبحيرةُ ترى الجميعَ فضلاتٍ تُؤرّقها.


غرابٌ طائشٌ يعفِّرُ الأرضَ،

وكأنّهُ يبحث عن حصى،

لعلّه يفرح في العثورِ على كنزٍ،

ويُغِيظُ من ينظرون إليه،

ويرمونه بالعبثيّةِ.


قال الغرابُ هازئًا:

“لا بُدَّ من انتصارٍ زهيدٍ في نهارٍ مشدودٍ من أطرافه،

ومهيّأٍ لوقوعِ حدثٍ مخيف.

ما أصعبَ أن يتحوّل الكونُ إلى بيتِ عنكبوت!

دعوني أُعفِّر الترابَ لأُحذّركم من هذا الصمت.

تهمةُ العبثيّةِ تثير الاستياء،

ولا تُرضي أحدًا.”


“أريد أن أعلمكم: لقد تنكّر الوردُ لعطره،

ذاك الذي فسد في الليل،

حينما غابت الأنوفُ عن قداسةِ المتعة.

هذا عبثٌ مخيف، ألا تقلقون؟

حسنًا أيها السادة،

لا مكانَ للتكهناتِ إن كان النهارُ واضحًا،

في ساعاتِ الحساب،

ستُقدّم أفعى بتهمةِ الالتفافِ على عنقِ دجاجةٍ،

وخنقها تلذّذًا بالنقمة.

أتباعُ الدجاجِ غاضبون وتوقّفوا عن الطعام،

وهدّدوا بالانقراض.


والأفعى كانت قد اشتكت على حمارٍ عابرٍ،

دهسَ أجراسها، وأَسْكَتها لسنين،

قد اضطُرّت للصيامِ حتى تنمو الأجراس.


سيكون يومًا حزينًا، يوم المحكمةِ،

وفيه يكون الإيمانُ بالجمال خدعةً.

في المحاكم لا يتحدثُ أحدٌ عن الجمال،

والقاضي كئيبٌ،

كُلُّ الأدلةِ تشير إلى اتهامه بعدم المساواةِ

بين البهجةِ وبين الحب.”


نعق ضفدعٌ أخضرُ كبيرٌ على طرفِ الجدولِ،

وقال:

“أيتها الأفعى، ما الحكمُ عليكِ؟

هل سيقطعون رأسكِ ويجعلون منكِ عبرةً؟

كم أخشى أن يخشاكِ القاضي،

ويبذر شوقنا، ويسدل ستار العدالةِ بخدعة.

هل تذكرين محاولات ابتلاعي الخمسة؟

ذكائي هو الذي خلّصني منكِ،

والذكاء لا علاقة له بالجريمةِ والعقاب.

لا بُدَّ من جمع الاتهامات،

ولكنّي لا أملك أي دليلٍ يقدّس القضاء،

ويجعل من القاضي رمزًا للعدالة.

لا دليل لديّ،

سوى أنّي أتعذّب وأعيش في حذر،

سأرفع دعوى ضد الحذر،

ما أبشع أن تبقى حذرًا،

إنّه الوقتُ الضائعُ،

ويستهلكُ كلّ أحلامي.

لا بُدَّ من الانتصار على الأفعى.

الظلام لا يُبدَّد بالمصابيح وحدها،

لا بُدَّ من العيون كدليل.”


قال الحمار دون دعوةٍ من أحد:

“إنّي لا أشعر بالقلق أو عذاب الضمير،

كان الطريق طريقي الذي اعتدته منذ سنين،

ومن الغباء أن أتفحّص خطواتي،

لكن من الفطنة أن تتحذّر الأفعى على نفسها في وسط الطريق.

ماذا تفعل في مكانٍ ليس لها؟

إنّها مسؤولة عن حماية الآخرين،

وهذا كلّ ما تعرفه.

ونحن في حاجة إلى التفكير في كيفية التخلّص من أعباء الحياة.

الأجراس لا تكفي لميلاد اليقظة.”


والضفدع محقّ، الظلام لا يُبدّد بمصباحٍ يمرّ عليه الزمن.

وأنا لا أملك دليلًا على أنّ الأفعى فقدت أجراسها،

وتضرّرت من الجوع.

كذب، الكلّ يكذب، والأجراس ما وُجدت

للأنس ولا للأعراس الجوفاء.


كان الغراب لا يصدّق ما يسمعه، وهمس لنفسه:

“كُلّ هذا يحدث؟

وأنا أظنّ أنّ الجميع سعيدٌ جدًا!

كم استرخصتُ نفسي.

سأشتكي نفسي إلى القاضي،

بتهمة التلكّؤ وقلة الحذر،

وفهم السعادة بطريقةٍ مذلّة،

واستعجال السعادة وهي واقفة فوق رأسي.

ما أصعب أن تظنّ أنّ العالم سعيد،

ثم تتعثر الأمور وتكون في محكمةٍ لا تنتهي،

لأنّنا ما زلنا نقدّس الغفلة.

كان غدرًا حينما رموني بالعبثيّة،

كان فعلًا خيانة،

وكانت الحصى هي البريئة الوحيدة.”


طار الغراب ووقف على غصنٍ وصرخ عاليًا:

“سيشتكي العبث عليكم جميعًا،

تصفّون الآخرين به وتنسون مرارة الصمت؟”


مات القاضي بسبب قلة الأدلة ورفعت الجلسة.

أيها السادة، صلّوا للنهار قبل أن يطويكم في نسيانه الأزلي.

الأجراس لا توقظ الغافلين عن البهجة،

والحصى وُلِدَت للصمت الجميل.


(ط. عرابي – دريسدن)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .