الثلاثاء، 12 مايو 2026

هشاشة اللقاء والقدر بقلم الراقية مونيا منيرة بنيو

 سلسلة: حين يتحول التمنّي إلى وعي


المحطة الأولى: هشاشة اللقاء والقدر


التمنّي بالهروب إلى المستحيل ليس رغبةً حقيقية في السفر إلى المجرّات أو إلى جزرٍ بعيدة، بل هو آليةٌ دفاعية نبحث من خلالها عن مسافة أمان بيننا وبين الألم.

فالهروب هنا ليس حركةَ جسد، بل محاولةٌ داخلية يائسة لإعادة ترتيب الذاكرة قبل أن يكتمل الجرح.

والرسالة التي كثيرًا ما نغفل عنها، أن الهروب لا يمنع الألم، بل يكشف شدّته ويعرّي عمقه.

في بدايته، لا يكون التمنّي مجرّد نزوة عابرة، بل لحظة ارتباكٍ شفيفة، يتداخل فيها الواقع بما نتمنّى أن يكون، فنشعر بالمسافة القاسية بين ما نعيشه وما نحلم به، وبين ما نحسّه وما نودّ لو نحسّه.

هناك، تتجلّى هشاشة اللقاء والقدر؛ فنلوذ بالتمنّي، ونبني جزرًا من اللامعقول نختبئ فيها مؤقتًا من ثقل الواقع.

غير أنّ هذا الاختباء، رغم ما يمنحه من سكينة عابرة، ليس شفاءً حقيقيًا، بل هدنة مؤقتة مع الألم، نحاول خلالها إعادة ترتيب الداخل قبل مواجهة ما يعصف بنا.

قد يكون الهروب الجسدي أسهل، لكنه لا يحرّر الروح من أثقالها. أمّا الهروب بالتمنّي، فهو أكثر تعقيدًا وعمقًا؛ لأننا نظل نحمل وجعنا معنا، مهما ابتعدنا بأجسادنا أو بخيالنا.

ومع كل محاولة للفرار، ينكشف الألم أكثر، وتتعرّى طبقات الوجع التي كنّا نغطيها بالأمنيات. فنكتشف، متأخرين، أن ما ظننّاه خلاصًا لم يكن سوى اقترابٍ آخر من الجرح، وكشفٍ أعمق له.

أحيانًا، لا نريد النجاة فعلًا، بل نبحث فقط عن مكانٍ لا يرانا فيه الألم، عن مساحة صامتة نتوارى فيها قليلًا ريثما تهدأ فوضى الداخل.

الهروب لا يخفّف الألم، بل يمنحه وضوحًا أشدّ. وكلّما اتّسعت مساحة التمنّي، ازداد حضور ما نحاول النجاة منه.

وهنا يبدأ الوعي الحقيقي: حين ندرك أن الطريق لا يكمن في المزيد من الهروب، بل في مواجهة الداخل، وفي التصالح مع الذاكرة، وفي امتلاك الشجاعة الكافية لفتح الجرح بدل إنكاره.

لأنّ التمنّي، مهما بدا رحيمًا، لم يكن يومًا شفاءً، بل تأجيلًا للألم… وتأجيجًا صامتًا له في الأعماق.


الكاتبة مونيا منيرة بنيو

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .