مسافة باردة ق.ق
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
لم يكن المنقد يدفئ الغرفة بقدر ما كان يثبّتها في مكانها.
الفحم يلمع ويخبو، والجوزة إلى جواره تطلق دخانًا بطيئًا، كأنها تتنفس بدلًا عنه.
رفع كوب الشاي إلى فمه، ارتشف رشفة قصيرة، ثم أعاده إلى الأرض قرب الحائط.
ارتعشت الصورة في التلفاز.
نهض، ضربه من أعلاه ضربة خفيفة، فعادت الوجوه إلى أماكنها.
جلس.
كان الفيلم في منتصفه.
مشهد الأب والابن.
الابن يتحدث عن الحارة، وعن الخروج منها، عن لقمة نظيفة، وزواجه من بنت ناس.
ضحك قبل أن يسمع صفعة الأب وكلماته القاسية.
«لماذا لا تتزوج امرأةً وضيعـة مثل أمك؟»
ثم سعل سعالًا طويلًا، خرج معه دخان كثيف من فمه.
هدأت السعلة، ابتسم، وتنفس نفسًا طويلًا خرج بهدوء.
كان ابنه جالسًا قرب المنقد، يمد يديه إلى الفحم.
اقترب ووضع رأسه على فخذ أبيه.
سكن.
مدّ الأب يده، ربّت على شعره مرة واحدة، دون أن ينظر إليه.
ترك الفيلم يكمل.
كانت الساعة قد قاربت الحادية عشرة.
كان قد عاد منذ قليل من الدكان، أغلق بابه، اشترى سمكًا مشويًا من آخر الشارع، أكلا في صمت.
وضعا الأشواك في كيس، وبقيت الرائحة عالقة في الغرفة.
حين انتهى الفيلم، حمل ابنه.
لم يوقظه.
وضعه على السرير، شدّ الغطاء إلى أعلى كتفيه.
أطفأ التلفاز، ثم النار، وبقي الضوء لحظة قبل أن يطفئه هو الآخر.
نام.
في الليلة التالية، كان كل شيء في مكانه.
المنقد، الجوزة، الشاي، والولد.
دُقّ الباب.
لم يتحرك.
قال دون أن يلتفت:
– افتح.
فتح الابن.
قال بصوت منخفض:
– أمي.. وخالي.
استند الأب على جانبه الأيمن، أمسك بليّ الجوزة، وسحب نفسًا طويلًا.
خرج الدخان ببطء، وانتشر بينه وبينهما.
كانت واقفة عند العتبة.
عيناها في الأرض.
تمسك ببقجة ملابسها بكلتا يديها، كأنها تخشى أن تسقط منها.
خلفها، أخوها، مائل إلى الأمام، صوته مكسور:
– يا معلم عبده.. حقك علينا.
لم يرد.
سحب نفسًا آخر.
وقف أخوها منتظرًا.
لم تتحرك.
ظلت واقفة لحظة، كأنها تنتظر أن يقول شيئًا.
لم يقل.
انحنت، وضعت البقجة قرب الحائط، بعيدًا عن السرير.
نزعت حذاءها ببطء، وصفّتهما جنبًا إلى جنب.
مرّت بجوار المنقد.
لم تمد يديها إلى الدفء.
التقطت كوب الشاي الفارغ، غسلته، وأعادته إلى مكانه.
رفع رأسه أخيرًا.
نظر إليها.
لم تكن نظرة رجاء ولا عتاب.
كانت نظرة شخص يعرف النتيجة.. ويقبلها.
أشاح بوجهه قبل أن ينهي سحب النفس.
كان الابن واقفًا عند باب الغرفة.
رأى أمه تجلس باستحياء على الأرض، ورأى أباه لا ينظر.
اقترب خطوة، ثم تراجع.
جلس قرب المنقد، في المسافة بينهما.
قال الأب بهدوء، دون أن يلتفت:
– دعها.
تنفّس أخوها الصعداء وانصرف.
لم يُضف الأب شيئًا.
في تلك الليلة، ناموا جميعًا في البيت.
كلٌّ في مكانه.
حين نام الطفل، شدّت الغطاء فوقه.
فعلت ذلك دون أن تنظر إلى أبيه.
لم يشكرها.
لم يمنعها.
مرت السنوات.
لم تتغير الأشياء كثيرًا.
المنقد، الجوزة، الشاي.
تعود الخلافات ثم تهدأ.
البيت قائم، لكنه بارد.
وحين قال الابن ذات مساء إنه يريد الزواج،
لم يصرخ الأب.
لم يضحك.
لم يصفعه.
قال فقط:
– اسمعني جيدًا..
وسكت.
رفع الابن يده، حكّ رأسه بالحركة نفسها التي كان يفعلها أبوه حين يفكر.
لاحظها الأب.
وفي آخر الغرفة، كانت أمه تنظر إليه.
لم تقل شيئًا.
كانت ذكرى ليلة واحدة كافية.
لأنها بقيت.
طارق الحلوانى
يناير ٢٠٢٦
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .