أَرْوَاحٌ مِنْ نُور
مَا أَجْمَلَ أَنْ يَبْقَى فِي هَذِهِ الحَيَاةِ
أُنَاسٌ يُشْبِهُونَ النُّورَ فِي هُدُوئِهِ،
وَالوَرْدَ فِي عَطَائِهِ،
وَالوَفَاءَ فِي صِدْقِهِ…
أُولَئِكَ الَّذِينَ يُخْفُونَ أَوْجَاعَهُمْ
لِيَزْرَعُوا البَسْمَةَ فِي وُجُوهِ الآخَرِينَ،
وَيَغْفِرُونَ الزَّلَّاتِ بِحُسْنِ الظَّنِّ،
وَيَسْتُرُونَ العُيُوبَ بِمَحَبَّةٍ صَادِقَةٍ،
وَيَمْنَحُونَ مِنْ دِفْءِ قُلُوبِهِمْ
مَا يُخَفِّفُ قَسْوَةَ الأَيَّامِ.
هَؤُلَاءِ لَا يُقَاسُ حُضُورُهُمْ بِالكَلِمَاتِ،
وَلَا تُحْصَى آثَارُهُمْ بِالمَوَاقِفِ العَابِرَةِ،
لِأَنَّهُمْ يَغْرِسُونَ فِي الأَرْوَاحِ طُمَأْنِينَةً،
وَفِي القُلُوبِ أَمَانًا.
وَحِينَ تَضِيقُ الحَيَاةُ بِمَا رَحُبَتْ،
يَكُونُونَ هُمُ النَّافِذَةَ الَّتِي يَدْخُلُ مِنْهَا الضَّوْءُ،
وَاليَدَ الَّتِي تَمْتَدُّ دُونَ أَنْ تُطْلَبَ،
وَالكَلِمَةَ الَّتِي تَأْتِي فِي وَقْتِهَا
فَتَجْبُرُ خَاطِرًا،
أَوْ تَمْسَحُ حُزْنًا،
أَوْ تُعِيدُ لِلْأَمَلِ نَبْضَهُ.
وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُهُمْ رِسَالَةً صَغِيرَةً جَاءَتْ فِي لَيْلَةٍ مُثْقَلَةٍ بِالهُمُومِ،
أَوْ كَلِمَةً عَابِرَةً لَمْ يَعْلَمْ قَائِلُهَا أَنَّهَا أَنْقَذَتْ قَلْبًا مِنَ الانْكِسَارِ،
أَوْ دُعَاءً صَادِقًا رَفَعَهُ مُحِبٌّ فِي الخَفَاءِ،
فَكَانَ أَقْرَبَ إِلَى الرُّوحِ مِنْ كُلِّ كَلَامٍ.
وَهُنَاكَ أُنَاسٌ لَا يَصْنَعُونَ ضَجِيجًا فِي حَيَاتِنَا،
لَكِنَّ غِيَابَهُمْ يَكْشِفُ لَنَا كَمْ كَانُوا يَمْلَؤُونَهَا دِفْئًا.
بَعْضُ النَّاسِ لَا نَعْرِفُ قِيمَةَ وُجُودِهِمْ وَهُمْ مَعَنَا،
إِلَّا حِينَ نَفْتَقِدُ ذَلِكَ الدِّفْءَ الَّذِي كَانُوا يَمْنَحُونَهُ بِصَمْتٍ.
هُمْ لَا يُغَيِّرُونَ العَالَمَ كُلَّهُ،
وَلَكِنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ الطَّرِيقَةَ الَّتِي نَعْبُرُ بِهَا هَذَا العَالَمَ.
إِذَا حَضَرُوا شَعَرْنَا أَنَّ الدُّنْيَا مَا زَالَتْ بِخَيْرٍ،
وَإِذَا غَابُوا افْتَقَدَتِ الأَرْوَاحُ شَيْئًا مِنْ دِفْئِهَا.
وَفِي زَمَنٍ كَثُرَتْ فِيهِ المَصَالِحُ،
وَقَلَّ فِيهِ الصِّدْقُ،
يَبْقَى هَؤُلَاءِ اسْتِثْنَاءً جَمِيلًا،
يُذَكِّرُنَا بِأَنَّ الخَيْرَ لَا يَزَالُ قَادِرًا عَلَى الإِزْهَارِ فِي القُلُوبِ.
هَؤُلَاءِ هُمُ الثَّرْوَةُ الحَقِيقِيَّةُ،
وَهُمْ هَدَايَا اللهِ الَّتِي إِذَا حَضَرَتْ أَغْنَتْ،
وَإِذَا رَحَلَتْ تَرَكَتْ فَرَاغًا.
فَوُجُودُهُمْ نِعْمَةٌ،
وَقُرْبُهُمْ رَاحَةٌ،
وَأَثَرُهُمْ يَبْقَى مَهْمَا تَبَدَّلَتِ الأَيَّامُ وَتَغَيَّرَتِ الوُجُوهُ.
فَشُكْرًا لِكُلِّ قَلْبٍ وَفِيٍّ،
وَلِكُلِّ رُوحٍ نَبِيلَةٍ جَعَلَتْ لِلْحَيَاةِ مَعْنًى أَجْمَلَ،
وَلِكُلِّ إِنْسَانٍ مَرَّ بِنَا
فَتَرَكَ فِي أَرْوَاحِنَا أَثَرًا طَيِّبًا لَا يُنْسَى.
وَمَا أَكْثَرَ مَا نَبْحَثُ عَنِ النِّعَمِ فِي الأَشْيَاءِ،
بَيْنَمَا كَانَتْ بَعْضُ أَجْمَلِ نِعَمِ اللهِ
تَمْشِي عَلَى قَدَمَيْنِ بَيْنَنَا.
بِقَلَمِي: بَهَاءُ الشَّرِيف
20 / 6 / 2026