✦ غِيَابِ
قصيدة نثر
⸻
✦ تقديم النص:
ينتمي هذا النص إلى قصيدة النثر التأملية، ويعالج تجربة الحنين بوصفها حالة وجودية تتجاوز الفقد العاطفي إلى إعادة تشكيل الذاكرة الداخلية.
يحاول النص تحويل الغياب من حدث خارجي إلى “بنية شعورية مقيمة داخل الذات”، حيث يصبح الآخر أثرًا لا يغيب، لا حضورًا يُدرك بالحواس بل بالوجدان.
⸻
✦ النص:
لَيْسَ كُلُّ الغِيَابِ رَحِيلًا…
بَعْضُهُ يُقِيمُ فِي الدَّاخِلِ كَأَثَرٍ لَا يُمْحَى،
وَيُعِيدُ تَشْكِيلَ الطَّرِيقِ حَتَّى يَصِيرَ الحَنِينُ وَطَنًا.
فِي وادٍ مِنَ الصَّمْتِ أَمْشِي عَلَى خُطَى الحَنِينِ،
أَسْتَمِعُ لِصَدَى الغِيَابِ يَسْتَدْعِينِي كُلَّمَا مَرَّتِ الذِّكْرَى.
بَيْنَ ضَوْءِ مَطَرٍ وَانْكِسَارِ مَسَاءِ،
أَرَاكِ لَا كَمَا أَنْتِ، بَلْ كَأَثَرٍ يَسْكُنُنِي وَيُضِيئُنِي دُونَ حُضُور.
أَقْطِفُ مِنْ صَبْرِي أَمَلًا لَا يَشِيخُ،
وَأَزْرَعُ مِنَ الفَرَاغِ مَا يُشْبِهُ مَلامِحَكِ.
كُلُّ طَرِيقٍ يَخُونُنِي إِلَّا مَا يَقُودُنِي إِلَيْكِ،
وَكُلُّ نَبْضٍ يَعْرِفُكِ دُونَ أَنْ يَرَاكِ.
يَا مَنْ سَكَنْتِ مَسَافَاتِي الدَّاخِلِيَّةَ،
كَيْفَ يَصِيرُ الغِيَابُ هٰذَا الحُضُورَ الكَامِلَ؟
وَكَيْفَ لِاسْمِكِ أَنْ يُصْبِحَ دُعَاءً أُرَدِّدُهُ فِي ضِيقِي؟
أَمْشِي وَفِيَّ فَرَاغٌ يَتَشَكَّلُ عَلَى هَيْئَتِكِ،
وَأَنْتِ إِجَابَةٌ لَا تَأْتِي، وَلٰكِنَّهَا لَا تَغِيبُ.
فَإِنْ كَانَ الفِرَاقُ قَدَرًا،
فَالشَّوْقُ أَثَرٌ يَتَعَلَّمُ أَنْ يَعِيشَ لَا أَنْ يَزُولَ.
تَبَاعَدْتِ كَخَرَائِطَ لَا تُؤَدِّي إِلَى وَطَنٍ،
فَصِرْتُ أَمْشِي فِي وَهْمِ الوُصُولِ وَأَعْرِفُ أَنِّي لَا أَصِلُ.
أَكْتُبُكِ فِيَّ دُونَ قَصْدٍ،
فِي ارْتِجَافِ الصَّوْتِ وَتَشَكُّلِ الفِكْرِ،
كَأَنَّكِ النَّصُّ الَّذِي يُكْتَبُنِي لَا أَكْتُبُهُ.
فَإِنْ غِبْتِ عَنِ العَيْنِ،
بَقِيتِ فِيَّ أَثَرًا لَا يُمْحَى،
وَفِي الرُّوحِ وَعْدًا لَا يَزُولُ،
وَفِي الشَّوْقِ… حَيَاةً تَمْشِي بِي وَلَا أَبْلُغُهَا.
وَمَا انْتَهَى هٰذَا الطَّرِيقُ…
إِلَّا حِينَ أَدْرَكْتُ أَنِّي كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْكِ فِيَّ أَنَا.
قَلَمِي: بَهَاء الشَّرِيف
التَّارِيخ: 20 / 4 / 2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .