من كتابي تاريخ المديح في الشعر. المديح
جاء في لسان العرب:" المديح نقيض الهجاء, وهو حسن الثناء ويقال امتدحت الأرض وتمدّحت أي اتسعت وامتدت, وعلى هذا فالمديح هو الاتساع في ذكر محاسن الممدوح والامتداد بها حتى تصل إلى غايتها أو أبعد من ذلك.
والمديح فنٌّ من فنون الشعر وغرضٌ من اغراضه يقوم على فنّ الثناء وتعداد مناقب الإنسان الحيّ وإظهار محاسنه وإشاعة محامده التي خلقها الله فيه بالفطرة, وهو بذلك سِجلٌّ شعريٌّ لجانبٍ من حياتنا تاريخياً يرسم أعمال الملوك وسياسة الوزراء, وشجاعة القواد, وثقافة العلماء وهو الذي يؤرخ للتاريخ تأريخاً مزيناً بألوان زاهية قد تخرج عن واقعها في بعض الأحيان.
وفي هذا المجال يقول الأديب عباس محمود العقاد عن المديح:" والذي نعتقده أن شعر المديح من أفضل المقاييس لقياس حال الأمة والشاعر والأدب في وقتٍ واحدٍ فيخطئ من يظنّ أن الأمم المترقية لا تمدح أو لا تقبل المدح من شعرائها, إذ المديح جائزٌ في كل أمة, ومن كل شاعرٍ فلا يضير على أعظم الشعراء أن يصوغ القصيد في مدح عظيمٍ يعجب به, ويؤمن بمناقبه ولا ضير على الأدب أن يشتمل على باب المديح بين أبوابه الكثيرة التي يعرفها الغربيون أو الشرقيون, وإنما الخلاف في نوع المديح لا في موضوعه على إطلاقه, فمديح الأمم المتعلمة غير مديح الأمم الجاهلة والشاعر الذي يملك أمره يتبع في مدحه أسلوباً غير الذي يتبعه شاعرٌ مغلوبٌ على أمره, ومكانة الأديب في الأمة تظهر أتمَّ الظهور من أساليب الشعراء في هاتين الحالتين, فلن يقال إن للأدب مكاناً في الأمة والشاعر مضطرٌ فيها إلى إذلال عقله وتسخير كرامته في مديحٍ لا تسوغه العقول ولا يليق بالرجل الحرّ المريد لما يقول, ولن يقال إن الأمة متعلمة والمبالغات الشعرية فيها تؤخذ مأخذ الجدَّ والوقار, وهي أقرب إلى الهزل والهجاء المستور, أو لن يقال إن الأمة حرة تشعر بوجودها وأنت تقرأ مدائح شعرائها فلا ترى فيها ذكراً لغير الرؤساء, ولا ترى في الصفات التي يمدحون بها صفة ترجع إلى الأمة, وتعتمد على تقديرها أو تستفاد من خدمتها والعمل بمشيئتها" .
فمن خلال ما ذكره العقاد نجد أن المديح يحتلّ مكاناً بارزاً في أدبنا فهو المقياس الذي تقاس به الأمم في تقديرها لعطائها أو رؤسائها أو مبدعيها.
دوافع المديح:
ولكن ما هي دوافع المديح؟ وهل هي دوافع مادية أو مطامح شخصية أو غير ذلك؟ لقد كان الإعجاب هو الدافع الأول للمديح وهذا ما نجده عند زهير بن أبي سلمى عندما مدح الحارث بن عوفٍ وهرم بن سنانٍ فقد أعجب بما فعلاه من أجل وقف نزيف الدم بين القبيلتين الأختين(عبس وذبيان) فأطلق لسانه في مدحهما اعترافاً بالجميل وإعجاباً بهما وبعملهما.
يقول ابن رشيق: كانت العرب لا تتكسب بالشعر وإنما يصنع أحدهم ما يصنعه فكاهةً أو مكافأةً عن يدٍ لا يستطيع أداء حقها إلا بالشكر إعظاماً له كما قال امرؤ القيس يمدح بني تميم رهط المعلى:
أقرّ حشا امرئ القيس ابن حُجر بنـو تميم مصابيح الظـلام
وقد قال امرؤ القيس ذلك لأن المعلى أحسن إليه وأجاره حين طلبه المنذر بن ماء السماء, ولم يكن امرؤ القيس يطلب جزاء مدحه مالاً أو سلطاناً.
ولما أجار سعد بن الضباب امرأ القيس مدحه قائلاً:
سأجزيك الذي دافعت عني وما يجزيك عني غير شكري
لقد انطلق مدح امرؤ القيس لرهط المعلى ولسعد بن الضباب من دافع الشكر ولم يأت من دافعٍ آخر كالمال أو الشهرة لأنه يمتلك الاثنين.
ثم تطور الدافع وطغى حبّ المال على المدح وأضاف هذا الدافع الجديد دفعة أخرى للمديح هو التكسب ثم زاحم الدافع الجديد دافع الشكر والعرفان وتفوق عليه, وصار الشعراء يتكسبون بالمدح, قال ابن رشيق:" فلما جاء الأعشى جعل الشعر متجراً يتجرُّ به نحو البلدان, وقصد حتى ملك العجم, فأثابه وأجزل عطيته علماً بقدر ما يقول عند العرب, واقتداءً بهم فيه وأكثر الشعراء يقولون: إنه أول من تكسب بشعره وقد علمنا أن النابغة هو أسنّ منه وأقدم شعراً وقد ذكر عنه من التكسب بالشعر مع النعمان بن منذرٍ مع ما فيه من قبحٍ من مجاعلة الحاجب ودسّ الندماء على ذكره بين يديه وما أشبه ذلك" .
ويبدو أن طغيان الدافع الثاني ( مديح التكسب) جعل النقاد المحدثين يغفلون الدافع الأول ( مديح الشكر) أو يتناسونه, فراحوا يذكرون المديح الجاهلي على أنه مديحُ كسب وزلفى وزعموا أن العاطفة في هذا النوع من الشعر كانت عاطفة( كاذبة) مدعية يظهر فيها الشاعر غير ما يبطنه لأن الشاعر( في نظرهم) همه الكسب والثراء.
ولكن الواقع غير ذلك لأن المديح في منزعه الأول هو توجه عاطفيٌّ يقدمه الشاعر اعترافاً بفضل الممدوح( إن كان مساعدةً أو إكراماً أو غير ذلك) ودلائل ذلك كثيرة في تاريخنا العربي وفي تاريخ شعرائنا, وأوله ما ذكرنا من مدائح امرئ القيس وطرفة بن العبد وعمرو بن كلثوم وغيرهم من الشعراء الأبطال الذين لا يحتاجون إلى التقرب أو التزلف للأسباب التي ذكرها أولئك النقاد.
وسندرس في كتابنا هذا المديح في عصوره المتتالية منذ الجاهلية وحتى عصرنا الحاضر, ونبرز في كل عصرٍ أهم شعراء المديح منه مع أهم قصائدهم في هذا الباب.
د عبد الحميد ديوان
الثلاثاء، 7 يونيو 2022
تاريخ المديح في الشعر. المديح للأديب د. عبد الحميد ديوان
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .