📜 مَلحمةُ النَّبضُ الأوَّل 📜
– النَّبضُ "0"
لَيسَتْ هذهِ رِوايةً دينيّةً،
ولا كتابًا عِلميًّا،
ولا بيانًا فلسفيًّا مُغلَقًا.
إنَّها مُحاوَلةٌ جادّةٌ للوقوفِ
في المَساحةِ الّتي يَتجنَّبُها كثيرونَ:
حيثُ يَلتقي الإيمانُ بالسُّؤالِ،
والعَقلُ بالمعنى،
والتّاريخُ بآثارِه لا برواياتِه فقطْ.
تَنطلِقُ مَلحمةُ النَّبضِ الأوَّلِ
مِن فِكرةٍ بسيطةٍ في ظاهِرِها،
عَميقةٍ في نَتائجِها:
أنَّ كُلَّ حَدَثٍ يَترُكُ أثرًا،
وأنَّ الحقيقةَ لَيسَتْ ما كُتِبَ فحَسْب،
بل ما بَقيَ نابضًا في نَسيجِ الزَّمنِ.
في هذا العَملِ،
لا تُقرَأُ النُّصوصُ مُعزولةً عن سِياقاتِها،
ولا يُعامَلُ الاجتِهادُ البشريُّ كوَحيٍ،
ولا يُدانُ الماضي لِمجرَّدِ أنَّهُ ماضٍ.
هُنا،
يَتجاوَرُ العِلمُ والدِّينُ
لا كخَصمَينِ مُتصارِعَينِ،
بل كأداتَينِ لِفَهمِ الإنسانِ،
وهوَ يُحاوِلُ أن يَكونَ صادِقًا مع ربِّه،
مُخلِصًا لِعَقلِه،
وأمينًا لِتَجرِبتِه التّاريخيّةِ.
شَخصيَّتا المَلحمةِ،
سُهيلٌ وتَعِزْ،
لَيسا دُعاةَ هَدمٍ،
ولا حَمَلةَ يَقينٍ جاهِزٍ،
ولا أنبياءَ جُدُدًا.
هُما شاهِدانِ على سُؤالٍ لَم يُحسَمْ بعدُ:
كيفَ نُميِّزُ بينَ ما هوَ إلهيٌّ وما هوَ إنسانيٌّ،
دونَ أن نَخسَرَ الإيمانَ،
أو نُغتالَ العَقلَ؟
هذهِ المَلحمةُ لا تَطلُبُ مِن القارئِ
أن يُصدِّقَ كُلَّ ما فيها،
ولا أن يَنحازَ،
ولا أن يَتخلَّى عن قَناعاتِه.
كُلُّ ما تَطلُبُهُ أن يَقرَأَ بهُدوءٍ،
وأن يَسمَحَ للفِكرةِ أن تَمشِي معهُ قليلًا دونَ خوفٍ.
أن يَرى التّاريخَ وُصفًا أثرًا حيًّا،
ويَرى النَّصَّ وُصفًا حَدَثًا في زمانِه،
ويَرى الإيمانَ عَلاقةً مُتجدِّدةً لا أرشيفًا مُغلَقًا.
إنْ خَرجَ القارئُ مِن هذا العَملِ وهوَ أكثرَ قَسوةً في يَقينِه،
فقد أخطَأَ الطَّريقَ.
أمّا إنْ خَرجَ وهوَ أهدَأُ، أعمَقُ، وأكثَرُ شَجاعةً في السُّؤالِ—
فقد وَصَلَ إلى جَوهَرِ النَّبضِ الأوَّلِ.
---
– النَّبضُ "1" – الصَّدْعُ في الصَّدْرِ
في لَحظةٍ لَم تَكُنْ زَمنًا،
بلِ انشِقاقًا في صَدرِ الوُجودِ،
وَقَفَتْ رُوحٌ على حافَّةِ ما لا يُرى،
وقد شَعَرَتْ أنَّ النَّبضَ الأوَّلَ
— ذاكَ الّذي بهِ بَدأَ كُلُّ شيءٍ —
قد تَوَارى.
لَم يَكُنْ غِيابًا عابِرًا،
بلِ اختِفاءً عَميقًا
تَحتَ أنقاضِ الضَّجيجِ البَشريِّ:
أصواتٌ تَدَّعي امتلاكَ الحقيقةِ،
وأُخرى تَخشى السُّؤالَ،
وثالثةٌ تَبني يَقينَها مِن خَوفٍ قديمٍ.
ومعَ ذلكَ،
كانتْ تَعرِفُ — مَعرِفةً لا تُعلَّلُ —
أنَّ النُّورَ الأوَّلَ
الّذي سَبقَ الكَلِمةَ والتَّفسيرَ والاختِلافَ،
لَم يَنطَفِئْ.
كانَ حيًّا…
لكنَّهُ مَطمورٌ تَحتَ رَمادٍ صَنَعَتهُ الأيدي.
في الفَراغِ السّاكنِ،
حيثُ لا زَمنَ ولا اتِّجاهَ،
سَمِعَتْهُ.
نَبضًا خَفيفًا،
لا يَأتي مِن الخارِجِ،
بل يَنبثِقُ مِن أعماقِها،
كأنَّ الكَونَ هَمَسَ دَفعَةً واحِدةً:
«تَعالي.»
لَم تَسألْ: لِماذا؟
ولَم تَبحَثْ عن كَيفْ.
مَدَّتْ يَدَها نَحوَ اللا-مَكانِ،
نَحوَ الصَّدْعِ الّذي لَم يَكُنْ بابًا،
بل جُرحًا مَفتوحًا
في نَسيجِ الوُجودِ
يَنزِفُ نُورًا خَفيًّا.
تَغيَّرَ الهَواءُ،
صارَ يَحمِلُ رائِحةَ التُّرابِ
قَبلَ أنْ تَطَأَهُ قَدمٌ،
ودَفئًا يُشبِهُ الوَعدَ قَبلَ أنْ يُنطَقَ.
قالتْ في داخِلِها:
«إنْ لَم أَدخُلْ الآنَ،
سَيَظلُّ النَّبضُ مَفقودًا…
لَيسَ لي وَحدي،
بل لِكُلِّ مَن أضاعَ الطَّريقَ.»
خَطَتْ.
لَم تَكُنْ خُطوةً إلى مَكانٍ،
بل إلى العُمقِ.
إلى ما وَراءَ الظِّلالِ المَصنوعَةِ،
وَراءَ الضَّجيجِ المُتراكِمِ،
وَراءَ الخَوفِ الّذي سُمِّيَ حِكمةً،
والصَّمتِ الّذي سُمِّيَ نَجاةً.
ودَخَلَتْ.
ودَخَلَ معها شَيءٌ أكبَرُ اتِّساعًا مِنها،
كأنَّ الوُجودَ نَفسَهُ
كانَ يَنتظِرُ
مَن يَجرُؤُ
على أنْ يَراهُ مِن جديدٍ.
– خِتامُ النَّبضُ "1"
هُنا لَم تَبدأِ الرِّحلةُ بَعدُ،
لكنَّ السُّؤالَ الأوَّلَ عادَ يَنبُضُ.
ومتى عادَ النَّبضُ…
استحالَ الرُّجوعُ كما كانَ.
---
#الأثوري_محمد_عبدالمجيد.. 2026/1/27