وداعُ رمضانَ
أمِنْ ذِكرِ شهرِ الطُّهرِ دمعُكَ مُسبِلُ
بسَقْطِ اللِّوى أم عهدُهُ المتحوِّلُ
وقفتُ على آثارِهِ فتملَّكَتْ
فؤادي بقايا من هُداهُ تُؤمِّلُ
تذكَّرتُ أيّامًا بهِ الرُّوحُ أشرقتْ
وكانتْ لياليهِ من النورِ تَنهلُ
ألا يا زمانَ الصومِ مهلاً فإنَّنا
على فقدِكَ الميمونِ قلبٌ مُبلبلُ
أتيتَ فأحييتَ الضمائرَ بعدما
غدتْ في ظلامِ الغيِّ وهي تُهمِلُ
وأيقظتَ فينا من عزائمِ صبرِنا
جنودًا على أبوابِ نفسٍ تقاتِلُ
فما كنتَ جوعًا بل سِنانَ عزيمةٍ
بهِ تُكسَرُ الأهواءُ حين تُجادِلُ
علَّمتَنا أنَّ الإرادةَ سيِّدٌ
وأنَّ الهوى عبدٌ إذا القصدُ أكملُ
وأنَّ التقى دربُ النجاةِ لمن وعى
وأنَّ الفتى بالتُّقى يسمو ويَفضُلُ
وكم رفعتْ فيكَ الأكفُّ تضرُّعًا
ودمعُ الخشوعِ الصادقِ القلبَ يغسلُ
وكم طُرِقَتْ أبوابُ ربٍّ رحيمِنا
ففُتِّحَ بابٌ ثم بابٌ مفصَّلُ
وكم بتنا نرجو القبولَ ولم نزلْ
وفي كلِّ ليلٍ من عطاياهُ ننهلُ
إذا لاحَ فجرٌ قلتَ للنفسِ انهضي
فإنَّ طريقَ المجدِ صبرٌ موكَّلُ
وإن جنَّ ليلٌ قلتَ للقلبِ خاشعًا
تطهَّرْ فإنَّ اللهَ أكرمُ من سُئِلوا
فيا شهرُ ما أودعتَ فينا من التقى
كنوزًا بها في كلِّ نازلةٍ نعلو
وما زلتَ فينا باعثًا كلَّ هِمَّةٍ
إذا فَتَرَتْ منَّا العزائمُ تُشعِلُ
لقد هذَّبتْنا فيكَ مدرسةُ الهدى
فصارَ الذي كنَّا نُطيلُهُ يُختزلُ
وصارَ الذي كنَّا نراهُ ضرورةً
إذا هو بعضُ الوهمِ، والوهمُ يضمحلُّ
وصارتْ موائدُنا اعتدالًا وحكمةً
وصارتْ مساعينا إلى الخيرِ تُرسَلُ
فيا أيُّها الشهرُ العزيزُ وداعُنا
كريمٌ ولكنَّ الفؤادَ مُثَقَّلُ
نودِّعُ فيكَ الطهرَ لا اليأسَ إنَّما
نجدِّدُ عهدًا بالثباتِ ونفعلُ
سنمضي، وفي أعماقِنا منك جذوةٌ
تُقيمُ اعوجاجَ النفسِ حين تميلُ
سنمضي، وفي أسماعِنا منك نبرةٌ
تقولُ: استقمْ، فالحقُّ أبلجُ أجملُ
سنحفظُ عهدَ الجوعِ سرًّا تعبُّدًا
ونحفظُ درسَ الصبرِ إذ هو أفضلُ
ونحفظُ درسَ البذلِ، درسَ توادُدٍ
بهِ جبرُ كسرِ الناسِ زادٌ مؤصَّلُ
فخيرُ الفتى من صانَ نفسًا بعزمِهِ
إذا ما دعتْهُ الشهواتُ تُذلِّلُ
ومن لم يُطعْ عقلًا يهذِّبُ سيرَهُ
تقودُ بهِ الأهواءُ حيثُ تُرحِّلُ
إذا المرءُ لم يملكْ زمامَ إرادِهِ
أضاعَ المعالي، وهو في الأرضِ يذهلُ
ولا المجدُ تاجٌ في الرؤوسِ وإنَّما
مواقفُ صدقٍ في الشدائدِ تُجملُ
ومن عاشَ عبدًا للشهواتِ فإنَّهُ
وإن سادَ يومًا، في الحقيقةِ يُذلَلُ
ومن صامَ حقًّا صارَ للحقِّ قائدًا
يُطاعُ، ولا يُغوى، ولا يتبدَّلُ
وما العزُّ إلا في التقى واستقامةٍ
ومن رامَ غيرَ اللهِ ذلًّا يُحصِّلُ
إذا النفسُ لم تُهذَّبِ الصبرَ لم تزلْ
تُنازعُ صاحبَها، وخصمٌ تجادلُ
ومن زرعَ الإحسانَ في الناسِ قلبُهُ
جنى المجدَ، والإحسانُ في الناسِ يُقبَلُ
ومن عرفَ الرحمنَ حقَّ يقينِهِ
تهاوى لديهِ الخوفُ، والقلبُ يقبلُ
فيا شهرَنا، إن غبتَ عن مُقلِنا فما
غِبتَ عن القلبِ الذي بكَ يشغلُ
سنلقاكَ إن شاءَ الإلهُ وما انطفا
سراجُ الذي في ليلِ طاعتِكَ يُشعلُ
وإن طالَ بعدُ الدربِ عنَّا فإنَّنا
على العهدِ، لا نرضى التراجعَ، نكمُلُ
فإن جئتَ عامًا جئتَ والقلبُ مؤمنٌ
وإن غبتَ فالتقوى لنا خيرُ منزلُ
سلامٌ على شهرِ التزكّي فإنَّهُ
أتى فاستفاقتْ من هداهُ المآهلُ
سلامٌ على ليلِ التراويحِ خاشعًا
سلامٌ على فجرٍ بهِ القلبُ ينهلُ
سلامٌ على دمعِ المساكينِ إذ سرى
إليهم عطاءُ البرِّ، والفضلُ يُسبَلُ
سلامٌ على قرآنِه حينَ أنصتتْ
ل
هُ الروحُ، واستعلى بهِ المتبتِّلُ
إذا صامَ قلبُ المرءِ عن كلِّ شهوةٍ
تسيَّدَ الدنيا، والزمانُ لهُ مَطوَعُ
السيد عبدالملك شاهين