طيور السنونو
2020.10
عودتنا (طيور السنونو) أن تزور بلدتنا في شهر نيسان من كل عام، تبشرنا ببداية الربيع، وبالفعل يصبح الطقس عندنا في النبك، ريف دمشق ممتعاً للغاية، بعد شتاء تشقينا غلاظته...
هذه الطيور السوداء تزين سماء ضيعتنا من الربيع إلى الخريف تتنزه فرحة محلقة، جماعات ووحداناً، صاعدة هابطة في كل الاتجاهات، بسعادة غريبة أخصها بها الله رغم لونها الاسود الحزين...
المدهش في هذه الطيور، تبنى اعشاشها من البحص الصغير والقش في الأماكن العالية، بإتقان احترافي في بناء منازلها المعمارية، بشكل هرمي مقلوب، يستغرب المتأمل الى تلك الأعشاش، كيف تجعل الطيور الحصوات متماسكة متلاصقة بشكل متين. كي تجعلها منازل سكن خاص لها ولأولادها، وربما يطوبون تلك الأعشاش بصكوك ملكية فيما بينهم...
وسبب تصوراتي هذه، ذكرى محفوظة في ذاكرتي، عندما كنت صغيراً، كان في بيتنا غرفة غير مكتملة الاكساء وبلا نوافذ...
أحد طيور السنونو أختار سقف تلك الغرفة ذات الأعمدة الخشبية الظاهرة، ليبني عليها عشاً ربما لسهولة دخوله وخروجه إلى سقف الغرفة بيسر وأمان
كنت حينها فرحا بذاك الطائر السنونو، الذي كان يذهب ويعود حاملا بفمه بحصاُ أو قشاً لمتابعة بناء عشه في سقف غرفتنا، وكان يرمقني بعينيه المدورتين كأنه يستأذنني، في الحقيقة انست حضوره، وأفرحني تواجده، وعندما كان يطول غيابه كنت اتساءل أين صديقي الاسود!
لقد ربطتني مع ذاك الطائر الحزين نوع من المحبة، أشتاق اليه وانتظره كصديق حقيقي...
تلك الغرفة غير المكتمل اكسائها، خصصتها لي شخصياً، وقد شاركني فيها صديقي السنونو، كانت غرفتي فارغة، لا يوجد فيها سوى العابي، وخردوات طفولتي، وهذا السنونو.
كنت اتسلى هناك، واراقب حركة عمار العش الجارية في سقف تلك الغرفة.
ذات يوم صنعت نقيفة (نبلة) مطاطية، ذلك السلاح الخطير الذي لا يحاسب عليه القانون، أحببت أن أجربها على ذاك الطائر المسكين، فقذفته بحجر. أصبته وهوى صديقي، وكاد يغرق في سطل دهان ابيض تصادف وجوده بالمكان، رفرف بصعوبة وطار هارباً. لكن تلونت ساقيه باللون الجديد الأبيض، وتصورته لن يعود، وحزنت أنا ولمت ذاتي على فعلتي، لكنه عاد في المساء إلى عشه، بعلامتيه الفارقتين لون ساقيه الغريبتين...
دخل عشه صامتاً على غير عادته، وكأنه أراد أن يعاتبني على تصرفي المشين معه...
في الخريف، هاجر صديقي مع الطيور المهاجرة بساقيه المميزتين وكأنه يلبس جزمة بيضاء اللون تكسي ساقيه النحيلتين، لكن أقول لكم الحقيقة، لقد آلمني فراقه، كان صديقي طيلة ذاك الصيف.
رحيل السنونو عن قلموننا، ينذرنا بقدوم الشتاء الذي نخاف من برده القارس، لذلك نعتبر رحيل تلك الطيور من بلدنا، نذير شؤم...
وهذا يحثنا لنأخذ الاحتياطات التي تقينا من صقيع بلدنا المخيف...
عاد السنونو في الربيع التالي، وعاد معهم صديقي الطائر ذو الطرفين الابيضين المميزين إلى عشه في بيتنا...عاد إلى ذات البيت الذي بناه بتعبه وعرق جبينه...
وفرحت بعودته كثيراً، لكنه لم يكن بمفرده هذه المرة، كانت معه رفيقته، ولم يرمقني كما كان يفعل قبل رحيله، ويبدو لي انه أنشأ عش الزوجية قبل أن يحضر حبيبته معه.
وتذكرت المثل الشعبي الذي يقول: "من وجد أحبابه، نسى أصحابه"
كتب القصة: عبده داود
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .