صَرْخَةُ غَزَّةَ
في آخِرِ اللَّيْلِ
حينَ تَتَنَفَّسُ المُدُنُ مِنْ ثُقُوبِ الجُدْرانِ
سَمِعْتُ شَيْئًا يُشْبِهُ النَّبْضَ
يَتَسَلَّلُ مِنْ جِهَةٍ لا أَعْرِفُ اسْمَها
رُبَّما كانَ حَجَرًا
أَوْ جَفْنَ طِفْلٍ
أَوْ صَمْتًا تَكَسَّرَ فَجْأَةً
تَحْتَ قَدَمِ الرِّيحِ.
هَلْ عادَ الطُّوفانُ؟
لَمْ تَكُنْ غَزَّةُ نارًا…
كانَتْ طائِرًا مَكْسُورَ الجَناحَيْنِ
يُرَفْرِفُ داخِلَ حُفْرَةٍ مِنَ الضَّوْءِ
فَتَلْمَعُ السَّماءُ فَوْقَهُ
كَمِرْآةٍ تَخْتَزِنُ وُجُوهًا
تَنْسَى حَقيقَتَها كُلَّما ابْتَسَمَتْ.
والقَوْمُ…
لَمْ أَرَهُمْ
لَكِنَّ ظِلالًا طَويلَةً
كانَتْ تَتَحَرَّكُ بَيْنَ الأَزِقَّةِ
تَسُدُّ عَلَى الأَصْواتِ مَداخِلَها
وَتُخْفِي الخُطى
تَحْتَ قُماشٍ رَمادِيٍّ
لا رائِحَةَ لَهُ.
في المَدَى
سَقَطَتْ أَقْنِعَةٌ بِلَا وُجُوهٍ
تُعانِقُ الرِّيحَ وَهِيَ تَهْوِي
كَأَنَّها أَوْراقُ مَحْكَمَةٍ
حاوَلَتِ النَّجاةَ مِنْ مِحْبَرَةٍ سَوْداءَ.
الطُّوفانُ جاءَ
ارْتِجاجًا في الهَوَاءِ
يَكْشِفُ عَنْ خُطُوطٍ باهِتَةٍ
رُسِمَتْ يَوْمًا فَوْقَ صُدُورٍ خاوِيَةٍ
وَيُلَوِّحُ بِسِرٍّ
أَخْفَتْهُ المُدُنُ في خَزائِنِها.
رَأَيْتُ بائِعًا
يَحْمِلُ سَلَّةً مِنَ الوَقْتِ
يُفْرِطُها فَوْقَ المارَّةِ
فَيَتَساقَطُ مِنْها
ماضٍ تائِهٌ
وَمُسْتَقْبَلٌ بِلا جِهَةٍ واضِحَةٍ.
القَضِيَّةُ كانَتْ ظِلًّا
يَمْشِي بِلا صاحِبٍ
يَتَوَقَّفُ عِنْدَ العَتَباتِ
وَيَسْأَلُ البابَ:
هَلْ مَرَّ أَحَدٌ؟
تُشْبِهُ خُطاهُ الدُّمُوعَ؟
والعَرَبُ…
كانُوا أَصْواتًا بَعِيدَةً
تَأْتِي كَأَنَّها صَدًى لِشَيْءٍ انْكَسَرَ
ثُمَّ تَبْهَتُ فَجْأَةً
قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ النَّافِذَةَ.
في العَتْمَةِ
دُخانٌ يَتَصاعَدُ مِنْ قَلْبِ الأَرْضِ
وَالأَمْواجُ
تَدُقُّ عَلَى شاطِئٍ غَريبٍ
تَحْمِلُ مَعَها أَسْماءً
كَتَبَها الأَطْفالُ بِالحِجارَةِ.
الحَقُّ…
لَمْ يَكُنْ فارِسًا
وَلا رايَةً
وَلا سَيْفًا
بَلْ شَرارَةً صَغيرَةً
تَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَصابِعِ اللَّيْلِ
وَتَلْمَعُ لَحْظَةً
ثُمَّ تَعودُ إِلى غُمُوضِها.
وَصَلاحُ الدِّينِ…
لا يَظْهَرُ
لَكِنَّ ظِلًّا
يَمُرُّ سَريعًا قُرْبَ النَّهْرِ
يَتْرُكُ في الماءِ
ارْتِعاشَةً
كَأَنَّ أَحَدًا
يَنْتَظِرُ جِيلًا لَمْ يُولَدْ بَعْدُ.
وفي آخِرِ النَّصِّ
كانَتِ الشَّمْسُ
مُعَلَّقَةً بِخَيْطٍ واحِدٍ
تَتَدَلَّى فَوْقَ الأَنْقاضِ
كَعَيْنٍ تُراقِبُ
وَتَصْبِرُ
وَتَعْرِفُ
أَنَّ كُلَّ لَيْلٍ
يُخَبِّئُ في
قَلْبِهِ
حَقِيقَةً لا يَجْرُؤُ
عَلى قَوْلِها.
الشاعر التلمساني علي بوعزيزة الجزائر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .