سمفونية الحياة
لقاءٌ لم يكتمل… ولحظةٌ ظنّت أنها رحلت، لكن القدر عاد ليكتب موسيقاها من جديد.
كانت تجلس في ركن هادئ، تنظر حولها وتستمتع بالهدوء،
نسمة هواء خفيفة لامست خدّها فابتسمت،
وتخيلت عالمًا بلا وجع، ينساب من خيالها كما تنساب الألحان.
على مقربةٍ منها،
جلس رسّامٌ يحمل لوحةً وريشةً وبضع ألوان.
حين رآها، سبقت يداه وعيه،
وبدأتا ترسمانها دون تردّد،
كأنّ وجهها نداءٌ انتظره طويلًا.
كان يبتسم حين تبتسم،
ويحاول أن يحبس هرولة اللحظة بالألوان
كي لا تهرب من بين أصابعه.
أما هي،
فشعرت بظلّ نظرةٍ دافئةٍ تلامس أطراف وعيها.
رفعت رأسها ورأته…
كان يرسم شيئًا يشبهها حدّ اليقين.
أرادت الاقتراب،
لكنها خشيت أن تُفسد جمال اللحظة،
فاكتفت بابتسامةٍ صغيرةٍ بعثتها إليه من بعيد.
ثم رنّ هاتفه.
صوتٌ مستعجلٌ شقّ ما بينهما من لحنٍ هادئ.
قال له أحدهم:
"تعال بسرعة…"
التفت إليها بنظرةٍ تشبه اعتذارًا صامتًا،
ثم جمع لوحته ورحل.
رفعت رأسها بعد لحظات،
بحثت عنه… فلم تجده.
لم يبقَ سوى مقعدٍ فارغ،
وهواءٍ هادئ،
ونصف لقاءٍ لم يكتمل.
غادرت هي الأخرى،
وفي قلبها خيطٌ رقيق من أملٍ خفي،
كأنّ القدر يهمس لها:
"ما زال في القصة بقية."
مرّت سنواتٌ طويلة.
تغيّرت الطرق،
وكبرت الأرواح،
لكن ظلّ تلك اللحظة بقي عالقًا،
لا يشيب،
لا يبهت،
كأنه يُروى من ماءٍ لا ينفد.
وفي أحد المعارض الفنية،
وقفت أمام لوحةٍ تشبهها إلى حدّ الوجع:
امرأةٌ تجلس بهدوء،
تبتسم كأنها تصغي للموسيقى.
كان المعرض غارقًا بضوءٍ أصفر دافئ،
ضوءٍ بدا وكأنه ينتظرها وحدها.
شعرت بشيءٍ يتحرك في قلبها،
شيءٍ ظلّ ثابتًا رغم مرور الزمن.
وقف رجلٌ إلى جانبها دون أن تنتبه.
ثم قال بصوتٍ يحمل زمنًا من الشجن:
"هذه اللوحة رسمتها منذ سنوات…
في يومٍ أعجبني فيه وجهٌ لم أعرف اسمه.
أسميتها سمفونية الحياة
لأنني لم أعرف اسم صاحبتها."
التفتت نحوه
وفي النظرة الأولى عاد كل شيء:
ابتسامتها، لحظة اللقاء…
عاد كما لو أنّ الزمن لم يمضِ يومًا واحدًا.
ابتسمت وقالت بصوتٍ يمشي مثل موسيقى هادئة:
اسمي… حياة.
تأمّلها لحظة، ثم همس:
كنت أبحث عنكِ في كل لوحة…
ولم أعرف أنكِ كنتِ تبحثين عني أيضًا.
فابتسمت وقالت:
"كنتُ أبحث عنك في الوجوه…
وأعود لنفس المكان لعلي أراك مثل أول مرة."
في تلك اللحظة،
أكمل القدر لحنه… وأصبحت سمفونية الحياة.
بقلمي عبير ال عبد الله 🇮🇶
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .