الأحد، 30 نوفمبر 2025

الشق بقلم الراقي طارق الحلواني

 الشقّ ق.ق

▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎

كانت حياته كعربة قطار تُسحب على القضبان:

لا التفات، لا اختيار، لا انحراف. يخرج كل صباح في التوقيت نفسه، يشدّ ربطة العنق كأنها صمّام أمان يمنع داخله من الانحراف.

يعود مساءً، ويهبط في بيته كما يدخل العصفور عُشه؛ بهدوء يُشبه العادة أكثر مما يشبه الراحة.

زوجته تحفظ صمته أكثر مما تحفظ ملامحه.

تضبط يومها على مواعيده، تعدّ له قهوته كما يحب، وتُخفِض صوت التلفاز قبل أن يشعر بالانزعاج.

كانت تراقب تغيّره بصمت.. كمن يرى الغيم يتكاثف، لكنه لا يجرؤ أن يقول: "ستمطر".

لم يكن تعيسًا.. لكنه لم يكن حاضرًا كما كان.

ثم ظهرت أخرى.. بلا موعد.

كأن بابًا انفتح فجأة في جدار الأيام.

لم تكن مدهشة، لكن كلماتها اخترقت سكونه:

قالت إن وجهه يبدو "مرتبًا أكثر من أعظم جدول أعمال".

ضحك.. بلا سبب، بلا حساب. ضحك كما لو أنه تذكّر نفسه. بعدها بدأ يتأخرقليلًا..ثم كثيرًا. جرّب قميصًا جديدًا،حلّ أزرارًا كان يراها عنوان وقار، أمسك الهاتف أكثر مما يمسك نفسه، وتسلّل ليلًا حاملًا ضوء الشاشة.. يخشى أن تكشفه الصدفة. ضميره يطارده، وهو يراوغ، يحاكم نفسه، لكن جلسة الحكم دائمًا "مؤجلة".لم يكن ما فيه حبًّا، ولا خيانة. كان شرخًا.. شرخًا داخليًا تأخر كثيرًا عن الظهور.

- وذات صباح، وهو يستعد للخروج،اهتز الهاتف في جيبه.. رنين حادّ قصير، يعرف تمامًا من المتصل، وارتباكه سبق يده.

- نظرت إليه زوجته سريعًا، وسألته بصوت معتاد:

- "هترجع النهارده؟"

وقبل أن يفكّر،

اندفع الكذب من فمه:

- "ده المدير العام.. لازم أردّ عليه."

الرنين توقف.لكن الصوت استمرّ في صدره.

في تلك اللحظة شعر أنه يقف بين عالمين؛بين سؤال بسيط من زوجته، وصمت ثقيل من هاتف يعرف سره.كأنه لأول مرة لا يعرف أين يقف.. ولا أين ينتمي. أدرك أن الانقسام لا يُرى من الخارج، وأن الانفلات ليس حرية دائمًا، وأن الإنسان قد يهرب.. لكنه يهرب إلى قفصٍ آخر.

مدّ يده إلى الباب، وتردّد. بين أن يدفعه ليفتح حياته،أو يطرقه من الداخل..كأنّه هو المحبوس.وبدا له أن كل شيء من حوله ثابت، إلا ذلك الشرخ..الذي لم يَعُد يستطيع إخفاءه.


طارق الحلوانى 

نوفمبر ٢.٢٥

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .