الأحد، 30 نوفمبر 2025

مجانين الرضا بقلم الراقي طاهر عرابي

 "مجانين الرِّضى"


قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي

دريسدن – كُتبت في 14.02.2025 | نُقِّحت في 30.11.2025


الرِّضى ليس نقيضَ الخصام،

بل صورتُه الأصفى حين يولَدُ من الحبّ.

يتجاوزُ الحبيبُ عبثيّةَ الجدال، لا ليعاند، بل ليُجادل بصفاءٍ

يجعلُ من الخصامِ جسرًا إلى أعماقٍ لا يبلغها الحبُّ العاديّ.

فليس الحبُّ وحده ما نبتغيه،

بل الغوصُ معًا في سرِّ الروح،

لا بالصمت، بل بالحضور المتوهّج في جدليّةِ الرِّضى.


وبهذا اليوم نقّحتُ هذه القصيدة، وأنا أحتفلُ بمرور سبعين عامًا من رحلتي في الحياة؛

رحلةٍ مليئةٍ بالصخب والجدل والبهجة،

وبالبحثِ عن النقاء في كلّ ما حولي.

الحبّ كان حاضرًا دائمًا؛

فلولاه ما خطونا خطوة،

ولا تعلّمنا لغة، ولا عرفنا معنى الوجود.



مجانين الرِّضى


نتخاصمُ في لحظاتِ البهجة؛

فالبهجةُ منصّةٌ تُبعِدُنا

عن كوارثِ العبوس وارتعاشِ الأصابع.

نتبادلُ الاتهاماتِ بقوالبِ العفو

ومنصّاتِ الفرح،

فنوقظُ نوازعَنا الغافية،

وتصحو لعتابِنا بشيءٍ من الفضول،

وكأنّ الغرابة تركتنا،

وغادرتْ مثل ظلٍّ تاه عن جسده،

وخلّفتْنا زغبًا يبحثُ عن شهواتٍ

فوق جلدٍ نبت منه، ثم نسيَه لألفِ سبب.


وبعد الكلام، نخرجُ أنقياءَ

في بهاءِ الوجود،

مثل لؤلؤةٍ نبتت في صدفٍ

يحيطُه البحر،

ولا تدري إن كانت ستستقرُّ

على جبينِ حسناء،

ولا تنسى غفوتَها

طيلةَ السنين.


نصنعُ من المستحيلِ ظلالًا بيضاء

تستبقي ألقَ مراياها،

أو تختارُ أن تصيرَ

زمرديّةَ الوهج.

نُحاورُ بصفاءٍ في سرِّ خيالِنا،

وكلّما قفزْنا إلى مساحةٍ أرقى،

راودَنا ظنٌّ خفيف:

هل نشبهُ عشًّا من الحبّ

لطائرٍ رأيناه يجرّبُ جناحيه،

ويعبرُ السماءَ مزهوًّا؟

وهل كان عيشُنا معًا

هو السرُّ الخفيَّ في تلك الانطلاقة؟


نحكمُ على السماحةِ

بجدليّةِ الرِّضى.

نقول إنّ الشجارَ عابرٌ،

والعتابَ كذلك،

ما لم يتركا في القلبِ أثرًا يؤلم.


فالكلامُ— وإن لان كالعسل—

لا يخلو من أشواك،

والحبُّ، في البدءِ، كان الخيار،

وسيظلّ الخيار؛

فإن تبدّل، انتهى.


لا شيء يوقفُ قطراتِ الندى

إنْ تسلّقتْ عروشَها،

ولا الغيومُ تثني السواقي

عن عشقِها للمطر.


الحياةُ لا تنتصرُ بالقوّة،

بل بالجمال،

وفي الجمالِ تكتملُ البهجةُ

بلا سلالمَ ولا حبال.


لن نتركَ فسحةً يعشّش فيها

ظلامُ الأرق،

ولا بقايا الوقتِ المحروق في غفوتِنا.

وسنُبدّلُ الفصولَ إن مالتْ علينا،

ونجعلُها ورديّةً،

برّاقةَ الجدران ولو من ورق.


ونمضي متشابكي الأصابع،

مجانينَ الحبّ،

نتحدّى رحيقَ الشفق.


إن ركضتِ وهربتِ،

لن أضيّعَ ثانيةً

لأسألكِ عن السبب.

سأركضُ خلفكِ،

وإن سقطتِ في بئرِ العبث،

سقطتُ معكِ،

وإن وجدتِ البئرَ وسادةً،

أغفو معكِ.

وحين نُبعثُ من ظلمةِ الفرار،

سنفرحُ معًا،

ونشكرُ الوجهَ بدهشةٍ وعجب.


مجانينُ الحبّ…

ليس لنا سوى أن نكونَ

عنقودًا، وداليةَ عنب،

وشوقًا لا ينتهي،

حتى لو لامسَ رمشُ العينِ

طرفَ الحاجب.


خذي من كلامي صفوته،

فقد أخذتُه منكِ في الحب.


طاهر عرابي – دريسدن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .