"أنين الزعتر"
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – كُتبت في 18.02.2025 | نُقِّحت في 16.11.2025
كبرتُ في مخيّمنا الفلسطيني، ودرستُ في ألمانيا،
وخدمتُ ضابطًا بنجمة، ثم عدتُ إلى أمي.
قالت لي:
«اجلس على فخذي لنعود…
ما زلتُ أسمع أنين الزعتر في حقل أبيك.
كم مرّ من الوقت على القطاف؟»
⸻
أنين الزعتر
لم أُولد لأحمل السلاح،
ولستُ عملاقًا من أساطير الإغريق،
ولا راكضًا خلف وهم الخلود.
أرى عبثهم يمزّق الحجر،
يفتّته رملًا يَحُزّ العيون،
ويبعثر صفاء الروح بمخالبَ تُدمي.
يغيّرون نكهة ينابيع الماء،
وطيبة أعشاش العصافير.
أراهم يبتلعون ألسنةً مشقّقة
تُصفّر برنين الكذب،
وأنا همّي أن أجد السلام في وطني،
أن تصير البهجة بيتي،
ويغدو السأم غريبًا على العتبات.
تراودني فكرةٌ أن أكره… كي أبقى.
كيف لي أن أزرع وردةً في فُوّهة بندقية،
وأشمَّ عطرها،
وهي في أنف محتَلٍّ يتناوب على موتي
وكأنني غبار؟
كيف لي أن أُقَلِّم الزيتون،
وأجمع تفاحًا يتساقط ألمًا؟
تقتلني فكرةُ السواد، في القميص الأبيض
وفي صحون الطعام.
أبحث عن لونٍ يعاتبني، والسواد أخرس.
أحببتُ الأخضر وشكل الرمّان،
ولم أجد في الغربة ترابًا يكفي،
ولا ماءً يروي بذرةً واحدة.
سرقوا كل ما يُغرس،
فغرستُ قدميّ في الأرض.
لا خيار لديّ سوى البقاء؛
فبقيتُ نهاري وليلي أحرس وجودي.
أنا… ثم أنا،
وليذهب المحتلّ إلى آخر أنفاسه،
ويبني شرنقته من لُعاب العناكب.
لديّ نقطةٌ أُسمّيها حياة،
ولدَيه حياةٌ أُسمّيها أنا… طيشًا مُقزِّزًا،
فالإنسان لا يُسمّى حيًّا إذا عاش فوق جرح غيره وتمادى على الأرض.
تموت الأنا في الفرق في رؤية الحق.
قالت أمي:
«الحرب لا شأن لها ببشرٍ مثلنا،
لكنّنا نحترق.
الزيتون يثمر،
ويلقي بحمله مثل حصى الزوابع،
وهذا موسم برتقال يافا،
لكننا في مخيّم
لا يزيد عن غبارٍ وورقِ الدفاتر
تركه أطفال المدارس.
فطارَت أعلامٌ تنزع الأنفاس.
كيف نأمل بطعم الخبز من حقول ليست لنا،
ونظنّ أن طعم البرتقال يتجدّد في بقاع الأرض؟»
قلتُ:
«آه يا مخيّمنا، الذي أطعمَنا جمرَ النكبة،
ونحن نحبو على حصى القطيعة.
آه يا ضاحيةً تُطلّ على انزلاقات الحياة،
وتصطدم وتتوقّف أمام فُوّهات الألم.
قتلوا الفصول والمواسم،
وأطلقوا النار على مهابة الأرض.
عالمٌ يتسلّى بالقيم،
وعالمٌ يقتل القلم،
وكلّهم شهودٌ على ترف الفضيحة،
وأنت وحدك تقف
وتبحث عن جهةٍ تُسمّى قداسة العالم.
ما أصعبَ أن تسمع أنين الزعتر،
وانحناء القمح… وأنت صاحبُه المطرود،
وتشدّ الرجاء كي تبقى منتصبًا.»
يا مخيّمنا،
على جدرانك رسمتُ طفولتي،
وصرتُ عنقودَ عِنَب
في بستانٍ من حجرٍ وغبارٍ وتعب،
ألا يكفي أن أسجّل الحياة في دفتر الغائب؟
قالت أمي، وخبّأت وجهها تحت ظلّ الفم،
ومسحت حروفًا علقت على الشفاه،
قالتها وانكسرت في خطوات الخوف
من القرية الآمنة إلى حدودٍ رسمها الشيطان
بلغمٍ وحجر،
علقت دون أن تُحكى:
«اجلس يا ولدي على فخذي،
لنعود معًا إلى فلسطين…
ليس لديّ من الكلمات ما يُقدّس وجودي هنا.»
لو عدّوا نجوم السماء،
وسألوا عن الشجاعة،
لطرحت عليهم خياراتٍ أخرى؛
فعظامُ القتلى نجومٌ
تصرخ أكثر من أيّ نجم،
لعلّهم يتعظون.
فحلمُ المحتلّ خيانةٌ للروح،
وأرقٌ يُطلى بلذّة الخائبين،
ليصير أملًا في الرماد.
يدقّون مسامير النعوش،
كأنها تولد معهم في الظلام،
وتتفجّر وقت شوقهم للدم.
ما من نجمةٍ تهجر السماء
لتبيت في خندق.
الوهم يضيء عينَ الجشع.
كلّهم أشقياء في سلّةٍ حزينةٍ من قَصَبٍ يترنّح
بشقاء،
قادمين من بيوتٍ بعيدة،
غرباء… مُقنَّعون بالحرب،
وكأنّ الحرب هواءهم وماؤهم وقت غسل الوجوه.
أشتاق لعودة الزمن،
لأغرس قدميّ في الأرض،
وأصرخ في وجوههم:
«ارحلوا!
ما فعلتموه وصمة،
وما تركتموه طعنة،
وما تقولونه يؤلم الوليد قبل أن يولد.
تعلّقتم في أفق الحياة بالكذب.
كيف ينسى الإنسان
أنه شرّد إنسانًا؟
كأنهم وُلدوا للحرب!
متى تظنّون أن التشريد عقاب؟»
قذفتُ بالنجمة النحاسية الموشومة عن كتفي،
كأنني أنزع رجسهم.
نظرتُ نحو السماء وقلتُ:
«من خبثهم راهنوا على الزمن،
ومن قداسة الحقّ راهنتِ أنتِ على العودة،
وأنا أراهن على أول جذع زيتون في فلسطين.»
ها قد حان موسم الحصاد،
وما عادوا قادرين على تغيير المسيرة.
لستُ جنديًا… بل معركة.
طاهر عرابي – دريسدن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .