بائعُ الظلال
**************
في زُقاقٍ مَنْسيٍّ بآخِرِ المدينَهْ
حيثُ الناسُ يَقيسونَ الوجوهَ بمسطرةِ الكمال
ويخافونَ من خَدشٍ في الرُّخامِ..
أو نُدبةٍ في الخَيالْ..
كانَ حانوتٌ صغيرْ..
لا يبيعُ الخبزَ ولا يبيعُ الحريرْ..
كانَ يبيعُ.. الظِّلالْ
يأتي الناسُ أفواجاً إليه..
كلٌّ يحملُ ظلَّهُ الباهتَ.. يَشكو عيوبَهْ
يا سيّدي.. ظِلِّي قصيرٌ وطرفُهُ مَجروحْ
يا سيدي.. ظلِّي شاحبٌ لا يُجاري الروحْ
فيعطيهمُ البائعُ ظلالاً..
صمَّمها باحترافيَّة
سوداءَ.. صَمّاءَ.. فاحمةً.. ومثاليّهْ
ظلالاً تخفي الحقيقةَ الإنسانيّهْ
وفجأةً..
دخلتْ امرأةٌ تحملُ في عينيها مَجرّةْ
قالتْ للبائعِ بصوتٍ يقطرُ حُرّيّهْ..
أريدُ ظِلاً.. مَثقوباً
ارتبكَ الميزانُ..
وسقطَ الصمتُ في الحانوتْ
قالَ البائعُ بذهولٍ مكبوتْ..
يا سيّدتي.. الناسُ يفرّونَ من الثُّقوبْ
الثقبُ في الظلِّ اعترافٌ بالكسورْ
الثقبُ فضيحةٌ.. يشي بأنَّ خلفَكِ نورْ
وأنَّ جَسدَكِ لا يستطيعُ..
حجبَ الشمسِ عن الروحْ
ابتسمتْ..
كأنَّ في فَمِها بُستانَ صِدقْ
الظلُّ الكاملُ كذبةٌ معتمهْ
وأنا تعبتُ من الأقنعةِ المحكمهْ..
أريدُ ظلاً يعترفُ بأنني عِشتُ..
بأنني انكسرتُ ألفَ مرّةٍ.. وانتصرتْ..
بأنَّ الضوءَ الذي يسكنني..
صارَ أكبرَ من أن يَحجبهُ جَسد
أخذتْ ظِلّها المثقوبَ ومَشتْ..
في الساحةِ الكبرى.. حيثُ القطيعْ
يجرُّون خلفهم جثثاً سوداءَ لا تنطقْ
بينما كانَ ظلُّها الرشيقُ على الرصيفْ
كلما خَطتْ خطوةً..
سقطَ الضوءُ من ثُقوبِ ظلِّها..
دوائرَ.. دوائرْ
كأنها تزرعُ النجومَ في طينِ الشوارعْ
كأنَّ ثُقوبَ انكسارِها..
هي النوافذُ الوحيدةُ التي لم تنطفئ..
في مَدينةِ العَتَمَة
وَمَشَتْ..
كَمَنْ يَمْسَحُ جَبِينَ الأرْضِ بِالحَرِيرْ
كَانَ لِظِلِّهَا مَلْمَسُ الغَيْمِ
وَكَانَ لِلثُّقُوبِ..
وَقْعُ النَّدَى عَلَى أَوْرَاقِ الشَّجَرْ
كأنَّها حينَ تَخْطُو..
تَترُكُ خَلْفَهَا عِطْراً مِنَ الضَّوْءِ المَصْفِيّ
بِلَوْنِ الغَيْمَاتِ البَيْضَاءِ.
بقلم :حنان أحمد الصادق الجوهري