الأربعاء، 27 أغسطس 2025

ما جئت اليوم لأعاتبك بقلم الراقي علاء الدين محمد

 مَـا جِئْتُ الْيَـوْمَ لِأُعَاتِبَـكَ بِصَـوْتٍ عَــالٍ، فَمَـا عَــادَ فِـي الْقَلْبِ صَخَـبُ الْعِتَابِ، بَلْ جِئْتُ أَضَعُ سُؤَالِي عِنْدَ بَابِكَ بِصَمْتٍ يُشْبِهُ دَمْعَةً خَافِتَةً لَمْ تَكْتَمِـلْ. لقَـدْ كُنْتَ عِنْـدِي يَقِينًا يُشْبِـهُ الْحَيَـاةَ، وَعَهْـدًا أَكْبَرَ مِنَ الْكَلِمَةِ، أَحْمِلُهُ كَمَا يَحْمِلُ الْعَطْشَانُ جُرْعَةَ مَاءٍ فِي صَحْرَاءَ، ثُمَّ تَرَكْتَنِي وَحِيدًا أَبْحَثُ عَنْكَ أَتَخَبَّطُ فِي سَرَابٍ لا يُمْسِكُ سَاقِي ، ولا يَـرْوِي قَلْبـاً لَاهِـثًا عَطَشًا .


لَقَـدْ كَـانَ وَعْدُكَ فِي سَاعَـةِ الصَّفَـاءِ، عِنْدِي كَـالْعَهْـدِ الَّـذِي يَكْتُبُهُ الْفَجْرُ عَلَى جَبِيـنِ النَّهَـارِ، لَا يَخُـونُـهُ إِلَّا الْـغُـرُوبُ حِيـنَ يَطْـوِي أَجْنِحَتَهُ فِـي ظُلْمَـةِ الْمَسَـاءِ. لَقَـدْ كُنْتَ يَوْمَهَـا أَقْـرَبَ إِلَـى الرُّوحِ مِـنْ هَمْسِ الدُّعَـاءِ، وَأَبلـغُ فـي الحُضُـور مِـنْ كُـلِّ مَـا حَـوْلِي ، حَتَّى خِلْـتُ أَنَّـكَ الْـحَقِيقَــةُ الْوَحِيدَةُ فِـي دُنْيَـا زَائِفَـةٍ لَا تَعْـرِفُ الْيَقِينَ ، تُـزَوِّرُ وَتَخْتَلِـقُ الْأَوْهَــامَ .


أَمَّـا الْيَوْمَ ، فَالْوَعْـدُ غَـدا كَطَيْـفٍ مُتَهَدِّلٍ عَلَى شُرْفَةِ الذِّكْـرَى، لَا يَمَسُّ الْيَدَ وَلَا يُجِيبُ النِّـدَاءَ ، يَمُـرُّ بِـي كَالْأَحْــلَامِ الَّتِي لَا تَمْلِكُ أَنْ تَسْتَبْقِيَهَا بَعْـدَ الْيَقَظَـةِ. وَهَـلْ فِـي الْـوُجُودِ مَـاهُـوَ أَقْسَى عَلَى الْقَلْـبِ مِـنْ وَعْـدٍ يَذْوِي كَزَهْرَةٍ أُهْمِلَتْ حَتَّى الذُّبُولِ فِي صَيْفٍ جَائِرٍ؟!


لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّ الْكَلِمَةَ الَّتِي نَطَقْتَ بِهَا سَتَظَلُّ ثَابِتَةً عَلَى جَبِينِ الزَّمَـانِ، كَمَا يَظَلُّ النَّجْمُ فِي عَلْيَائِهِ شَاهِدًا عَلَى لَيْلٍ لَا يَزُولُ ، فَإِذَا هِيَ لَمْ تَبْقَ ولَمْ تَعُدْ إِلَّا صَدًى مُتْعَبٌ، كَأَثَرٍ عَلَى الرَّمْلِ مَحَتْهُ الرِّيَاحُ، أَوْ كَظِلٍّ عَابِرٍ لِمِصْبَاحٍ قَدِ انْطَفَأَ بِفِعْلِ الْهَوَاءِ .


أَتَرَاكَ قَدْ نَسِيتَ يَا صَاح أَنَّ الْوَعْدَ لَيْسَ كَلِمَاتٍ تُقَالُ فِي سَاعَةِ حَنِينٍ، بَلْ هُوَ رِبَاطٌ يَلْتَفُّ حَـوْلَ الْعُمْـرِ لِئَلَّا يَتَنَاثَرَ أَوْ يَتَطَـايَرَ أو يَتَبَـدَّدَ ، فَإِذَا أُهْمِـلَ صَـارَ كَـالْحِبْـرِ الَّـذِي جَـفَّ عَلَـى وَرَقٍ مُمَـزَّقٍ، لَا يَقْـرَؤُهُ أَحَـدٌ وَلَا يَذْكُرُهُ أَحَدٌ.


أَتَرَاكَ نَسِيتَ أَنَّ الْكَلِمَةَ لَيْسَتْ فِي نُطْقِهَـا، بَـلْ فِـي حِـرَاسَتِهَـا مِنْ غَدْرِ الْوَقْتِ وَنِسْيَانِ الْهَوَى ، وأَنَّهَا إِنْ لَمْ تُصَن غَـدَتْ خَائِنَةً ، وأن الْوَعْدُ إِذَا لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الْأَعْنَـاقِ كَأَمَانَةٍ ثَقِيلَةٍ، تَهَاوَى، وَتَهَـاوَى مَعَهُ الْقَلْبُ الَّذِي وَثِقَ، وَالنَّفْسُ الَّتِي صَدَّقَتْ، وَالرُّوحُ الَّتِي تَعَلَّقَتْ.


أَتَرَاكَ نَسِيتَ أَنَّ الْـوَعْدَ إِذَا انْطَفَـأَ، ظَـلَّ رَمَادُهُ يُحْرِقُ الرُّوحَ فِي صَمْتٍ لَا يُرَى، وَأَنَّ الْكَلِمَةَ إِذَا خَانَتْ، صَـارَتْ سَيْفًـا مِـنَ الْغِيَـابِ، يَذْبَحُ الْقَلْبَ كُلَّمَا تَذَكَّرَهَا.


أَمْ أَنَّ الـذَّاكِـرَةَ لَدَيْـكَ لَـمْ تَكُنْ إِلَّا زَوْرَقًـا هَـشًّـا تَحَطَّمَ وَتَهَشَّمَ مَـعَ أَوَّلِ مَوْجٍ لَا يَعْرِفُ مَرْفَأً أَلْقَيْتَهُ فِيهِ؟!!


✍️....#عـلاء_الـديـن_محمـد .

               27/8/2025

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .