السبت، 30 أغسطس 2025

رسائل إلى صبح بقلم الراقية أحلام الزامكي

 رسائل إلى صُبح.

رسالة (٣ )


و لأنَّكِ لم تسألي لم أُجِب. ليسَت في طباعي ـ كما تعلمين ـ المُساوَمةُ في إبراءِ وجوهِ الكلام؛ أردتُ ـ فقط ـ ألَّا أكونَ ممَّن خصَّهُم الجاحِظ بقوله:" يُعرَف الأحمقُ بثلاث، وذكرَ منها: أن يُجيبَ عمَّا لم يُسأل عنه.


بعضُ الخِلافِ أبكمٌ يا صُبح ؛ لا يُكلِّفُنا جلسةَ قراراتٍ ليليَّة، لا يُشكِّلُنا ـ كما شاءـ دُمى مُفرَغة تحرِّكُها خيوطُ حيرة من خلفِ سِتار، لا يبتزُّ ترابَنا الأبديَّ لنبكي، لنصرُخ، لنُعلنَ احتجاجَنا، ولا هوَ حتى يملكُ جوازَ سفرٍ مطبوع بموعدِ انتهاءِ مُدَّة .

خلافٌ غير مُنتهي الصلاحيَّة؛ لكنَّه أنيقٌ بما يكفي ليرتديهِ كلانا في مواسمِ العِتاب، خلافٌ من نوعٍ سرياليٍّ مجنون ؛ يلوحُ من بعيدٍ بألفِ معنى ، لنختارَ نحنُ معنانا المُحايِد.

لا أُخفيكِ ـ رفيقتي ـ أنِّي لم أفقِد قبلَ الآن نحوَكِ البوصلة، بدا لي أنَّ بيننا كثيرًا من طواحينِ الهواء و سِكَكِ الحديد و أفدانٍ من تُرابٍ مُتمرِّد لا يخضعُ لأوراق ثبوتيَّة ؛ لكنِّي لا أعرفُ ماذا كانَ بعدَها !

أَقفزتُ أنا من خصاصِ النافذة؟! 

أم أنَّكِ مَن أضاعَ أوراقَ العُبور؟!

تذكَّرتُكِ اليومَ وهي تمطر !

لا أعرفُ كالعادة وجه الشبه بينَكِ وَ المطر!

 ربَّما هو حُزنٌ ناعمٌ يهطلُ على عُشبةٍ منسيَّة أسفلَ صخرةٍ عمياء في ليلٍ غجريٍّ رتيب !

حُزنُ المطرِ مُوجِعٌ يا صُبح ، لطالما كانَ المطرُ نافذتَنا الأخيرة لنفرَح؛ 

لكنَّهُ هذه المرة كان حُزنًا عريضًا، عانقَ البيوتَ العتيقة و التلالَ والمآذِنَ في صمت،قبَّلَ وجناتِ الشجر في شوق ؛ فانحنَت بحياءٍ نبيلٍ بلا عَتَبٍ عن غياب،

تذكرتُكِـ ـ ياصُبح ـ حين لاحَ لي وجهُ المدينةِ وهو يغتسلُ بالحزنِ الأنيف ، وقفتُ أرقبُهُ كما يقفُ الحالمونَ على أعتابِ المُدن التي تلفظُها الخرائط ؛ فتنجو من مناجلِ الجغرافيا و متارسِ كُتَّابِ التاريخ الجديد .

سمعتُ نُواحَ المزارِبِ على الأسطحِ المَنسيَّة ، طقطقةَ الطيورِ المُبتلَّةِ بأجنحتِها لإغراءِ الشمس بالمُكاشفةِ بسرِّها المعهود ، رأيتُه نهمًا يبتلعُ بيوتَ الصفيحِ ، كراتينَ المُشرَّدِين، و قواريرَ المُتجوِّلين التي جمعوها من حاراتِ المدينةِ الشاردة ، لكنَّه أعادَ ترتيبَ الحكاية بطريقته؛فحكمَ بعودةِ القوارير لمواطنها الأولى..

مثلكِ هو يا صبح قاتلٌ أنيق؛ لكنه أيضًا مُتعَبٌ مَهزوم؛ ظل يركضُ طويلا طويلا حتى استراحَ أخيرا على صدرِ البحر، في قلبِ المدينة.

فتيقَّنتُ ـ يا صُبح ـ أنَّكِ في هذا التوقيتِ ـ تماماـ قد استرحتِ للأبد.


أحلام الزامكي💞

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .