السبت، 30 أغسطس 2025

حروب الشياطين بقلم الراقي طاهر عرابي

 "حروب الشياطين"


هذه القصيدة تأخذك إلى قلب عالمٍ مقلوب، حيث يسود الطغيان والخراب، ويصعد فيه صوت الشياطين البشرية، بينما تتخبط براءة الضحايا في فوضى لا تُحتمل.

هي محاولة لرصد الألم، والذكريات الممزقة، والصراعات التي تمزّق الداخل والخارج، بأسلوب يكشف عن سؤال البقاء والمعنى في زمنٍ بلا رحمة.

المعارك تبدأ من نهاياتها، وتفقد بداياتها،

بين البدايات والنهايات، جرح بحجم الأرض…



حروب الشياطين

قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي

دريسدن – 30.06.2023 | نُقّحت 30.08.2025



كلُّ الطغاةِ لبسوا جلودَهم بالجشع،

تقطرُ منها رائحةُ العُثِّ والعبث،

وغيومٌ، كفقاعاتِ البراكين،

تزفُّ الجفافَ إلى الوجوهِ الرمادية.


قحطٌ في النفوس،

ومزارعُ وردٍ محميّةٌ بزجاجٍ بريء،

تذبلُ بلمسةِ خيانةٍ للانتماء.

سماءٌ دامسةٌ بلونِ جدران الأفران،

والخبزُ رحلَ مع عبثِ الطغاة في القمح،

وخرائطُ الخراب مطويّةٌ تحت ألسنةِ الصامتين.


فكلُّ شيءٍ يوحي بوجودهم،

مطمورًا تحتَ مناجمِ الجشع.

نراهم… لكنَّ الخوفَ العظيمَ ينهانا،

فنستعيرُ الشفقةَ لسترِ قوّتنا.


2

وصلتنا رسالةٌ مشفَّرةٌ بتقنيةِ المجرمين،

بلا عنوان،

بلا يدٍ آدميّةٍ تمسكُ القلمَ والحرف.

رموزُ الصفرِ والواحدِ

تبدِّلُ الأخوّةَ بالتيه.


“لن تعودَ الحياةُ كما كانت.

انتظروا نظرتَنا اللاهبة.

سندمّر الأبنيةَ والشوارع، ونقتلُ الآلاف،

نشرّدُ، ثم نعيدُ الحياةَ،

كأنّ الأرضَ قد انقلبت من جديد.


نعدُكم بالرخاء بعد الدمار،

فلا رخاءَ دون هزيمة الآخرين.

والآخرون… ليسوا نحن، أسيادَ القوّة.


إنها إرادتُنا أن نكونَ بثقافةِ الزنبقةِ الوحيدة،

فلا مكانَ إلا لزنبقٍ مُهَجَّنٍ

بنظراتِ الأسياد.”


3


لفّتنا الحيرةُ مثل سيجارةٍ كوبيةٍ دست بين شفاهٍ مرتجفة،

مثل شفاهِ سمكةِ الخفّاش، حمراءٌ تترهّلُ بالرّهبة،

وصعدَ الدخانُ من أفواهٍ ذابلة


علقت صخورٌ ثقيلةٌ في هواء الغرف،

وصارَ مشوارُ الجندي ينتهي على عتبةِ البيت،

وداعُه من أهله أشبهُ بقتله بين أحبّته.


لم يدخلْ خندقًا ليدافعَ عن وطنه وكرامته،

ماتَ بشريحةٍ ذكيّةٍ زُرعت عند ولادته،

حرصًا على زواله… وقتَ الحاجة.


من يدري أين شرائح الفناء،

ومتى تتساقط الأجساد مثل تفاحٍ غزاه الدود

دون علمِ الشجرة؟


المدارس تطلي كتبها بالسواد المنتحر غضبًا،

من تعميمه على الجميع،

والتلاميذ يظنون أن درسًا في مادة العبثية

ليس فيه امتحان.

سيُقدَّم عبر انفجار القنابل،

ويبقى لهم حرية الإجابة.


أي حرب تكون لنعود بلا معنى؟


خرج التلاميذ وقالوا:

تعالوا نبحث عن مجرى النهر.

لقد احترقت أشجار الصفصاف على ضفّتيه وجفت،

الضفادع فاغرةُ الأفواه وكأنها تصرخ في العظم،

وربما ابتلعه القنابل العنقودية فصار بخارًا تائهًا.


أي مكان سنختار له إن وجدناه؟

نأخذه إلى بيوتنا إن بقيت،

أو نصعد به إلى السماء.

حقًا، لم نفكر بشيء أصعب من البقاء،

ونحن من يتحمل مسؤولية جريان الماء.


حزنوا وغنوا أغنيةً عفوية:

يكذبون، حتمًا يكذبون.

لن يعود شيء كما كان.

النهر تبخر، والضفدع مظلوم،

سنبات الليل بحسٍّ مسموم.

ما كان لهذا أن يكون،

لولا أنهم عنّا غافلون.


4


تبهت ألوان الأعياد،

وترتدي الأمهاتُ الحِداد،

ويبقى الخوف على أطراف الوسائد.


ونحن نحلُّ معادلات فيزياء الطغاة:

قنبلة تقع على لغمٍ أرضي، والنتيجة:

بركان برائحة الحزن،

وثقبٌ في السماء،

ولا بقايا للفرح سوى دموع على الوسائد،

قبل النوم وبعد انقشاع الظلام.

يرتب الحزنُ وجوده ويحتلّ الجسد وكل الكلام.


كان لدينا أغنيةٌ رنّانة،

تعزف على الغيتار في الهواء الطلق،

وفيها يكثر الرّقّاصون مثل أسراب الحمام.


غيّرنا الأحلام،

وعزفنا على الغيتار بلا أوتار،

فكثر الباكون على الحياة.

لا تمثلونا في شقائكم، نحن أبرياء.


لن تعود الحياة كما كانت،

والشياطين مختصر الكراهية في قذيفة.

والذكريات الأليمة كراهيةُ الأجنّة في البطون.


أي مولودٍ سيفرح بميراث الخراب؟

ماذا نعلّمه؟

كيف نصنع منه حبيبًا،

ونصفُ الحياة قد جرى في أهواءِ الشياطين؟


ذكرياتُنا تحولت إلى صرخاتٍ في الظلام،

ولن نفيق على ضحكة.


أصبحنا نضحّي حتى بأقلام الرصاص،

ونكتبُ بالإصبع على الرمل،

لا نريد تاريخًا لا يُقرأ.


عشقنا بديع الزواحف والنمل،

انحرفنا، انجرفنا، وتعفّننا في صمت.


الكلُّ مهيّأ لأن يبقى مسكينًا،

متلعثمًا في ساعات العمر،

وصامتًا كلما احتدم الحوار،

وشطب المربّع الأول من مكوّنات الحياة.


وصار التاريخ نسيًا منسيًا،

في هوامش الكتب المهجورة.


الحرب من الخارج، الحرب من الداخل،

الحرب زهرُ المجرمين وثمرةُ الطغاة،

ونحن نلتهم النار قبل أن تحرقنا.


5

يقولون حين نولد: أنتم نجومٌ ساطعة.

لم نرَ النجوم تشبهنا بشيء،

والقمر صار غبارًا أو حجرًا بلا نور.


صرتُ أتمنى أن يبقى كلُّ شيء على حاله:

شمعةٌ وعلبةُ كبريت،

إبريقُ شايٍ أسود،

وقليلٌ من الحطب،

دخانٌ نعشق رائحته من زيتونةٍ تنتمي لنا.


القادم أخطر:

زوبعةٌ تلد الخراب دون حياة،

تدمّر علبَ السجائر،

وتحزن كلَّ أشكال الرفاهية،

حتى أغنية العرس القديم سيطولها القهر.


والشمس تنطفئ قبل أن تشرق،

والعالم يفتح أبوابًا لا نريد دخولها…

أبوابًا تُفتح للخلف.

وفي الخلف تموت الهاوية.


كنتُ أظن أنني أملك حلمًا،

فيه حبٌّ رحيم،

واسترخاءٌ على بساطٍ من أعشاب البساتين.

لكنني أيقنت أنني أحببتُ سطورًا وهمية،

لم يفهمها أحد.


والكل مثلي،

تحت عباءة خيوط العناكب،

نهتزّ ونتشبّث ببعضنا،

حتى تنقطع الأزرار،

وتتهرّج الخيوط.


نمثلُ اليقين على قصبة،

وطريقُنا خيطٌ مجدولٌ من شعرِ الحسرة.


صيدُنا البقاء حتى نرى اليوم الأخير،

فنكون آخرَ الحروف في فوضى العالم.


صرنا نراهن في الحياة على الحياة،

مثل مصباحٍ يخشى ذهابَ زيته،

فتراقص مع اللهب،

ونسي الضوء ليعلن الحداد.


لسنا عنقَ زجاجة،

وأجسادُنا ليست لخمرِ المهووسين

بغطرسة الإنكار والفقد المريح.


ها نحن نعيش،

ننتظر موتهم قبلنا،

لعلّنا نفرحُ فرحةً وحيدة،

تكفي قبل الدخول في الغيب.


لكنّه كُتب بقلمٍ لا يتعب،

قلمٍ يكره القنابل،

ويميلُ إلى لغةِ السلام،

لغة الأرض، وبساط حروف الإنسان، وولادة الكلام.


طاهر عرابي – دريسدن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .