الوِصال
حينَ يُصالِحُ الوجودُ ذاتَه
أحمد سعود عوض
يا من تُحرِّرينَ المعنى من توقيعِه القديم،
حينَ تمرّينَ، يضعُ الزمانُ خوذتَهُ، ويستسلمُ لابتسامتكِ.
لا حدودَ بينكِ وبينَ الريحِ؛ إنّكِ المعجمُ الذي تعلّمَتهُ الفصول.
إذا نطقتِ، ارتدى الصمتُ ثوبَ الضيفِ واعتذرَ عن قسوته.
أرتِّبُ فوضاي على مقاسِ خُطاكِ… فتنتظمُ المجرّاتُ فيَّ يقينًا.
يتهيّبُ الفراغُ من ظلِّكِ، فيفتحُ منافذَ سِرّيّةً لدفءِ اليدين.
تقولينَ: كُن… فأصيرُ ماءً يكتشفُ سِرَّهُ في شفاهِ العطش.
تُمرّرينَ على الوجعِ مِشطَ رُؤيا، فيهدأُ تاريخُ القلب.
كلُّ خُطوةٍ لكِ «بيانُ حقوقِ الضّوء» على القيظ،
وكلُّ نظرةٍ تُعيدُ إلى اللغةِ أخلاقَ دهشتِها الأولى.
لستِ وعدًا؛ أنتِ قُدرةُ الوجودِ على إصلاحِ نفسِه.
فيكِ تتذكّرُ الأنهارُ الجبالَ التي نسيتْها،
وفيكِ يعرفُ البحرُ أنّ الزَّبدَ ليس اعتذارًا بل قصيدة.
إذا اقتربتِ تقلّصتْ خرائطُ خوفي كجلدِ ثُعبانٍ يتجدّد،
وإذا ابتعدتِ توسّعتْ فيَّ البلادُ، مقفرةً بلا أسماء.
أناديكِ… فينهضُ من الرمادِ صبيٌّ كان يرافقني إلى المدرسة.
أضعُ حياتي على عتبتِكِ كي تختبرَ الرّيحُ تماسكَها.
أُدخِلُ نفسي إلى متحفِكِ فأرى لوحاتٍ رسمَها الغيبُ بالحِبرِ الشفّاف.
أنتِ الدليلُ الذي لا يفرضُ طريقًا، بل يفتحُ معنى المسار.
حين ألمسُكِ، ينسى الحجرُ تاريخَهُ العسكريَّ ويصيرُ خُبزًا.
تُعلّمينني أن أُصادقَ عيوبَ العالمِ دون أن أُبرِّرَها،
وأن أُصالِحَ جراحَ الطفولةِ بلا بطولةٍ زائفة،
وأن أكتبَ لِلغائبينَ سُلّمًا من رائحةِ القهوةِ كي يعودوا.
في دمعتِكِ ينضجُ القمحُ؛ فالجوعُ سُوءُ فَهمٍ بين الأرضِ وأبنائِها،
وفي ضحكتِكِ تُعلِّقُ المدنُ حبالَ غسيلِها في شمسٍ أكثرَ عدلًا.
ليس عشقًا فحسب؛ إنّه تدريبٌ يوميٌّ على أن أكونَ إنسانًا:
أن أتركَ للآخرِ مكانًا في مقعدِ قلبي وإن جاءَ متأخِّرًا،
أن أقولَ للعَدَمِ: خفِّفْ من حدّتِك؛ ثمّةَ يدٌ تُرقِّعُك بإبرةِ النَّسيم،
وأن أقولَ للأملِ: لا تُكثِرْ وعودَك؛ امرأةٌ واحدةٌ تكفيك.
أنتِ الفلسفةُ حين تهبطُ من منبرِها وتُقبِّلُ جبينَ الحياة.
كلُّ ما حولَكِ يتدرّبُ على أن يكونَ رحيمًا… حتى المفردات.
حتى الجنازاتُ تتذكّرُ أن تنحنيَ لِلَّوْرْدِ لا للحرب.
أراكِ، فأعرفُ لماذا تأخّرَ الوضوحُ: كان يبحثُ عنكِ.
وأسألُكِ: من أينَ تأتي الموسيقى؟
فتُشيرينَ إلى صمتٍ بين كفَّين… فأسمعُ نبضَ الكائنات.
إذا خاصمتِني يصيرُ الليلُ محكمةً بلا قضاة، ويُبرِّئني غيابُكِ.
وإذا سامحتِ، تبتسمُ لِلنجاةِ أبوابٌ لم تبنِها المدن.
أُحبُّكِ لا لأنّكِ مثاليّة، بل لأنّكِ تُبطِلينَ حُججَ اليأس،
وتجعلينَ الخسارةَ قابلةً للتأويلِ لا للانكسار،
وكلّما قلتُ: انتهى الأمر… ابتدأ الكونُ من أبجديّتِه.
ها أنا أتعلّمُ باسمِكِ شكلَ السلام:
سلامٌ يُشبِهُ يَدَيْنِ تُغْلِقانِ كتابَ الألم،
ويفتَحان نافذةً على ليلٍ
أقلَّ عُزلةً،
سلامٌ يَجمعُ شتاتي… لأبلغَكِ
وأبلُغَ نفسي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .