ملحمة طفولتي: لا تسمِّني طفل المشرّدين
قصيدة من ٧ مقاطع، كتبتها لتشهد أن الطفولة ليست براءة فقط، بل مواجهة مع المنفى، مع الخراب، ومع سؤال الوجود.
اليوم أقدّم لكم المقطع الأوّل منها فقط.
للقراءة الكاملة… يمكنكم الاطلاع على النص كاملاً في منصتي: Taher Erabi
⸻
ملحمة طفولتي: لا تسمِّني طفل المشردين
ليست هذه القصيدة مجرد سردٍ للطفولة، ولا انعكاسًا لحياة وطنٍ مسلوب… إنها ملحمة شعورية ورمزية، تمتزج فيها طفولة ضائعة مع الأرض المهدورة، والبؤس الشخصي مع الخراب الوطني.
كل صورة هنا تنبض بمعنيين متوازيين: البحر مأساة متحركة، والسلاحف صبرٌ وتعب، والطفل الصغير أملٌ مقاوم وسط الخراب.
تتنفس الملحمة بين الفقد والحنين، بين الخراب والمقاومة، وبين الصمت القاهر وكلمة تقول: “موجود”. رحلة من الداخل إلى الخارج، ومن الطفولة إلى وعي الواقع القاسي، تحمل كل الألم، الظلم، والأمل المتبقي.
في المخيم، كنت أشدّ حبل الخيام، وأراقب أوتادها والسماء… التي ترحمنا أكثر من البشر.
كبرت، ومرت السنوات، أصبحت مهندسًا، وتقاعدت عن العمل… لكن بقيت الشوكة نفسها، والوخزة نفسها، والكذب نفسه.
تغيرت وسائل التهجير والقتل، وبقيت العودة تدق لهم النعوش.
⸻
ملحمة طفولتي: لا تسمِّني طفل المشردين
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 31.07.2023 | نُقّحت 24.08.2025
1
لم أجد على هذه الأرض عباءةً تُغطّيني،
فآلفتُ بردها واعتدتُ حرّها،
وصادقتُ جَورَها… ثم مضيتُ، كرحّالٍ في الشقاء،
يرافق ودادَ الروح وينأى بنفسه عن الألوان السوداء.
أن تكون شريدًا، فأنت مرآةُ من ينظر إليك:
ترى نواياه، فترسم له صورته… وتمضي.
صبورًا وحيدًا، مصرًّا وحيدًا،
تحمل كل ما تحتاجه كي تمضي.
فأنت مرآة لا تغضب،
بل تعكس الحقيقة في صمتها القاسي.
يُجبَرُ المكسورُ فيشفى ويمضي،
في أي اتجاه يراه صالحًا لكسره.
أمّا الشريدُ، فيبقى شريدًا:
لا يمضي، لا يرحل، جثّةً تتكلّم،
ومن يسمعها يخشى أن ينساه العطاء.
المنتمونَ لي أصدقاءٌ… صامتون،
يبكون حزنًا على الأخلاق.
والمنتمون لأعدائي… ينافقون،
يتلوّنون مثل الحرباء،
ويغرقون في وحلِ الفضيحة، سُعداء.
حدّثني عن حبائلِ الكراهيةِ في النفوسِ اللئيمة،
أين تُولد؟ وأين تنتهي؟
أشعر أنّي مخنوقٌ بوصايتها الثقيلة.
عن عنكبوتٍ معلّقٍ بخيط،
يختار الصعودَ أو الهبوط،
يمينه فريسةٌ، وشماله متفرّجون.
عن عشبةٍ داستها الفيلة…
صرخت، ولم يُسَمِّها النحل.
ربّما يتلاشى حبرُ المصيبة،
وربّما يكسب الحبرُ طعمًا ليفهم،
ويعود الغدرُ إلى قمقمِه،
ونُصلّي مرّةً… بلا حزنٍ ولا بكاء.
أنا الوحيدُ الذي لم تُحدّثْه أمُّه عن الأحلام.
لا أعلم: هل كانت تراني مقيّدًا بطريقٍ لا ينتهي؟
معصوبَ العينين، أغادر سجنًا وأدخل قبوًا،
ولا أدري كيف تقول الأم إن رأتني أتألّم؟
يقظتُها من أجلي كانت أقوى من النوم،
فكبرتُ بذنبِ سارق الأحلام،
ولم أنسَ سارقَ الأرض،
حتى جعلته أصلَ انعدامِ السلام وكلِّ داء.
يا قفزاتِ الروح بين البهجة والعدم،
جرفتْنا السيول، وأسكتت الحروف… وأسقطت القيم.
هل للمرايا وجهٌ يتبدّل؟
يوحّدُنا الحزنُ في كل شيء، إلا في الصمت،
فنرى الألسنَ ملقاةً في الأفواه،
فتحزن أكثر منّا،
كأنّ الكلامَ يرتدُّ إلى الوراء.
آه يا سنينَ مرّت…
وكأننا نعوي مع الأبقار في مزرعة واحدة تسمّى الأرض،
هم داخلها، ونحن تحت السياج.
وأنا المطرودُ أصحو على طَعمِ الندى،
وسارقُ الأرض يغفو على ريش …
بيد الشريد شوكه، وبيد السارق أرض اللقاء.
فكيف تصحو العنقاء؟
فمَن يستأذن الحق والعدالة من الأشقياء؟
وبعينين معصوبتين، يبقى أنفه ممدودًا
على أطراف الفناء.
الحزنُ والصبر توأمان، ولدتهما الحياةُ ومضت،
تلاحقان البهجة بلا كلل.
الصبر ينقّي الجسد والروح،
ويحوّل الخراب إلى فسحةٍ للبهجة…
فتشرق الحياة من قلب الحزن،
كما يولد الفجر بعد أقسى الليل.
ولكن، يبقى علينا النداء…
قالت أمي وبكت لأنها تعرف قسوة الغزاة.
فكيف تراهن على المفقود في ليلٍ دامس؟
تركوني… فكيف لي أن أتركك حيث تركوني؟
ولا شيء ينبت بالخيام.
طاهر عرابي – دريسدن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .