الخميس، 14 أغسطس 2025

الفوضى التي لا تموت وحدها بقلم الراقي طاهر عرابي

 الفوضى لا تموت وحدها


طاهر عرابي – دريسدن – 14.06.2025 | نُقّحت 14.08.2025


في زمنٍ تتفكّك فيه المعاني، والقيم، والأخلاق،

لم يَعُد الإنسانُ مركزَ الكون، بل صار ظلًّا باهتًا تتقاذفه مصالحُ العدم، وتنهشه سرديّات الكذب، والقوّة، والخوف.

لم يَعُد للفضائل مكان، ولا للأخلاق وزنٌ في موازين المصالح. تنهار القيم لا بصخبٍ علنيّ،

بل بصمتٍ ناعمٍ يُشبه نسيانَ اليقظة.


غزّة جعلتنا ننضج، نحلّل، ونناقش،

ودفعتنا إلى أن نسأل بعمق:

من نكون، إن استغنَوا هم عن مبادئ القيم؟

وما الذي يتبقّى من إنسانيّتنا في هذا العالم،

إن تلاشت معايير العدل، والرحمة، والكرامة؟

فالشعوب ليست مهيّأةً لأن ترى الحياة صراع بقاء،

بل تجد فيها قيمة الحياة.


“الفوضى لا تموت وحدها” ليست تسجيلاً للهزيمة،

بل محاولة لرؤية الحطام، لا بوصفه نهاية،

بل كمحرّض على السؤال:

من نحن حين نفقد ميزاننا؟

وما الذي يتبقّى، حين تفرغ المرايا من وجوهها؟



حين تنهار القيم في قلب الإنسان،

يتحوّل إلى ظلٍّ لا يُرى،

يرتدي جلدَ الحشرة التي لا تعرف الرحمة،

يصير طاغيةً على خراب الذات،

وترتجف المدن تحت وقع خُطاه،

كأنها أعمدة مسمومة بأسرار منسيّة،

وحشيّةُ المنبع في بئر عميق.


ليس البقاء على شفير الانهيار نجاةً،

بل البحث عن ذاك النور الخافت

الذي يقطر من دمعة نائمة،

يفصل بين عتمة الإنسان

وسحابة الهلاك التي تُشبهه،

والبحث يكتسي نسيجًا لا يغرق.


كل الكوارث تنبثق من فراغ “أنا”،

من نسخة ضائعة في عبث الجماعة،

تتسلّق أجنحة الضباب لتنهار

في سقوط الضوء حول المصابيح،

وهي تلهث خلف وهج سرابيّ…

سيخفت الضوء في الصباح،

وتقع ممتلئة بالعتمة الغبيّة.


يئسنا… إن لم نعد نتذكّر حديقتنا:

أين تاهت؟

وأين ترقد الورود بين أنقاض الصمت؟

غرباء العيون يزرعون البهجة في حقل الحرب،

يقتاتون من أسماك ملتوية الأعناق تسبح للخلف،

توسّع بحرًا بماء عَكِر،

فوضى تعيد ترتيب الفوضى،

ولا ندري من هو الذي انتحر فينا:

الشقفة، المروءة، أم اليقين؟

لنبقَ غرباء.


ويبقى السؤال يتجوّل

بين المقصلة والمرآة،

حيث لا فرق بين أن تموت

في وهج الظلال أو صدى الصمت،

فالقيم كانت الوجه الأخير للمرايا،

تبدّدت وماتت

قبل أن نراها في أحلى سعادة،

قبل أن نلتقط أنفاسها،

ونحن نُسقط أنفسنا في السراب،

إلى جوار ما عكسته المرايا قبل اجتماع الموت.


أعيدوا للأخلاق رمزيّة في الحبّ،

فالحبّ بلا أخلاق…

مرايا صُقِلت، لكن بخدوش من أظافر العفاريت.


سنبقى أحبابًا،

إلا ما سقط من حملنا المخيف؛

ذرات يلفحها الضباب،

وشهب طُردت من السماء

فاشتعلت تأكل نفسها بلهب.


نعلّق القبلات والأناشيد على الشفاه،

وصايا للموت بلا حركة…

شواهد قبور تلفت،

والجثث هربت،

واستهلكنا الصبر مثل زبيب معتّق،

والتففنا إلى الأمل… نخونه في براءته.


كانت أفضل الرؤى بالمرايا،

حتى صارت معيار النكران.

كل شيء في الكون يشيخ ويعتق،

إلّا الأرواح…

لا ندري كيف تصمد، كيف تبقى،

ونحن نتركها تعاني من موجات الزهد،

لا نحتكم للعيون،

حتى لو خرجنا إلى الشمس.


في القلب مصباح بلا فتيل،

كيف نصلحه… وليس لدينا أبسط الحلول؟

حين يبدأ الجمال في التلاشي،

وتسحقه العيون،

يتحوّل الجسد إلى خشب الفلين

يصلح لتغطية جرار الماضي.


فلا حرج إن لفّ المحتوى،

وسيكون غباءً إن لُمتك بعد السقوط عن الشجرة…

هل كان موضعك هناك،

أم كنت تخشى الاختناق في حناجر التماسيح؟

فهَرَبت… وكان الخياران من صنيعك.


لن يغفر البئرُ لمن سقط فيه،

حتى ولو كان ريشه من عندليب،

وإن سقطنا جميعًا،

لن يصبح بئر الغفران،

سنشقّ في ظلمته ممرًّا من نهار،

فالاستسلام لا ينبت سوى قبور بلا أسماء.


(ط. عرابي – دريسدن)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .