🔹 سلسلة وعي | حين تُستنزف بصمت 🔹
المحطة الثانية | العطاء بين الوعي والإنهاك ،،
__________________
في واحة الأدب والأشعار الراقية، حيث يُعاد النظر في المسلّمات قبل الدفاع عنها، نقترب في هذه المحطة من أكثر المفاهيم التباسًا: العطاء. ذلك المفهوم الذي نُربّى على تمجيده، ونادراً ما نتعلّم مساءلته.
ليس كل عطاء فضيلة، كما أنه ليس كل امتناع أنانية. المشكلة لا تكمن في أن نعطي، بل في أن نعطي دون أن نعرف لماذا نعطي، ولمن، وإلى متى. فالعطاء الواعي فعل اختيار، أمّا العطاء المُنهك فغالبًا ما يكون فعل خوف متنكّر في هيئة نُبل.
نعطي أحيانًا لأننا لا نريد أن نُخيّب، أو لأننا نخشى أن نُستبدل، أو لأننا تعلّمنا مبكرًا أن قيمتنا تُقاس بما نمنحه للآخرين لا بما نحفظه لأنفسنا. وهكذا يتحوّل العطاء، شيئًا فشيئًا، من فعل حرّ إلى التزام ثقيل، ومن رغبة صادقة إلى عادة تستنزفنا بصمت.
العطاء الواعي يُغني الطرفين؛ يمنح الآخر، ويُبقي صاحبه حاضرًا في نفسه. أمّا العطاء المُنهك، فهو ذلك الذي يستمر حتى بعد أن يتوقّف التقدير، ويُمدّ اليد حتى حين لا يعود القلب حاضرًا. عندها لا نعود نمنح، بل نُفرغ أنفسنا… ثم نُقنعها أن هذا ما يجب.
أخطر ما في العطاء غير الواعي أنه لا يُقابَل غالبًا بالجحود الصريح، بل بالاعتياد. فالآخر لا يطلب منك أن تستمر، لكنه يبني حياته على افتراض أنك ستفعل. وحين تتعب، يُفاجَأ بك، لا لأنه ظُلم، بل لأنه اعتاد حضورك دون سؤال.
وهنا يتشكّل السؤال الذي لا نحب مواجهته: هل أعطي لأنني أريد، أم لأنني لا أعرف كيف أمتنع؟
وهل ما أقدّمه اليوم نابع من امتلاء، أم من خوفٍ قديم من أن أفقد مكاني؟
العطاء لا يفقد قيمته حين نتوقّف، بل حين نفقد وعينا به. وما لا نُعطيه باختيار، سنُعطيه يومًا قسرًا، على هيئة تعب، أو غضب مكتوم، أو انسحاب مفاجئ لا نفهمه إلا بعد فوات الأوان.
هذه المحطة ليست دعوة إلى القسوة، ولا تبريرًا للأنانية، بل محاولة لإعادة العطاء إلى مكانه الطبيعي: فعلًا حرًّا، لا ثمنًا ندفعه كي نُقبَل. لأن العطاء الذي يُفقدك نفسك، لا يصنع معنى… بل يؤجّل الانهيار.
ونُكمل.
✍️ حسين عبد الله الراشد
كاتب تأمّلات في
الوعي الإنساني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .