ما تَبَقّى مِنَ الطَّريقِ
خَرَجْتُ
وَلَمْ أَتْرُكْ خَلْفِي ظِلًّا
يَصْلُحُ لِلدِّلالَةِ،
كُنْتُ أَنَا الإِشارَةَ
وَأَنَا التِّيهَ.
فِي صَدْرِي
مَسافَةٌ تَتَنَفَّسُ،
وَفِي ظَهْرِي
طَريقٌ يَشِيخُ
كُلَّما الْتَفَتُّ إِلَيْهِ.
لَمْ أَكُنْ مُسافِرًا،
بَلْ سُؤالًا
يَمْشِي عَلى قَدَمَيْنِ،
كُلُّ خُطْوَةٍ
تُوقِظُ ذاكِرَةً
وَتَدْفِنُ وَعْدًا.
حَمَلْتُ صَمْتِي
كَما تُحْمَلُ الْجِنازاتُ:
بِاهْتِمامٍ زائِدٍ
وَخَوْفٍ مِنَ الِانْكِسارِ،
وَكانَ الْكَلامُ
يَتَسَرَّبُ مِنِّي
مِثْلَ ماءٍ
لا يُريدُ أَنْ يُمْسَكَ.
فِي الْمُدُنِ
تَعَلَّمْتُ
أَنَّ الْوُجُوهَ نَوافِذُ مُغْلَقَةٌ،
وَأَنَّ الأَسْماءَ
أَقْنِعَةٌ نَظيفَةٌ
لِأَرْواحٍ مُتْعَبَةٍ.
وَفِي الْبَوادِي
قالَتْ لِي الرِّيحُ:
لا أَحَدَ يَصِلُ كامِلًا،
كُلُّ مَنْ نَجا
تَرَكَ جُزْءًا
يَتَلَوّى خَلْفَهُ.
كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْكَ
لا لِأَنَّكَ هُناكَ،
بَلْ لِأَنَّ الْغِيابَ
يَحْتاجُ اسْمًا
كَيْ لا يَجُنَّ.
وَحينَ ظَنَنْتُ أَنِّي وَجَدْتُكَ
وَجَدْتُ مَساحَةً
واقِفَةً مَكانَكَ،
تُشْبِهُكَ مِنْ بَعيدٍ
وَلا تَعْرِفُ يَدَكَ.
قُلْتُ:
أَهٰذا هُوَ الْكِبَرُ؟
أَنْ نَقِفَ أَطْوَلَ
دُونَ أَنْ نَرْتَفِعَ؟
أَنْ نَبْدُوَ أَصْلَبَ
وَنَنْكَسِرَ بِصَمْتٍ؟
بَكَيْتُ
لا لِأَنَّ الْحُزْنَ أَقْوى،
بَلْ لِأَنَّ الدُّمُوعَ
آخِرُ ما يُطيعُنِي.
ضَحِكْتُ
لِأَنَّ الْقُلُوبَ
حينَ تَتْعَبُ
تُجِيدُ التَّمْثِيلَ.
ثُمَّ فَهِمْتُ:
الْكِبَرُ
لَيْسَ سِنًّا
وَلا مَسافَةً،
إِنَّهُ اللَّحْظَةُ
الَّتِي نَتَوَقَّفُ فِيها
عَنِ الرُّجُوعِ
حَتّى إِلى أَنْفُسِنا.
الرِّيحُ هُنا
لا تُنْذِرُ،
وَالْعَواصِفُ
تَأْتِي بِوَجْهٍ عادِيٍّ،
تَجْلِسُ مَعَنا
وَتَسْرِقُ الْبُيُوتَ.
أَعْرِفُ الآنَ
أَنَّ الْفَرَحَ
لا يُفْتَحُ،
بَلْ يُسْتَعادُ،
وَأَنَّ الأَبْوابَ
الَّتِي نَخافُ لَمْسَها
هِيَ الَّتِي تَحْفَظُ
ما تَبَقّى مِنّا.
لِذٰلِكَ
تَرَكْتُ لِلطَّريقِ
أَنْ يَكْتُبَنِي،
وَتَرَكْتُ لِلْقَصِيدَةِ
أَنْ تُنْقِذَ
ما لَمْ يَسْتَطِعِ الْقَلْبُ
حَمْلَهُ وَحْدَهُ.
بقلم الشاعر
مزيد نجم حنون طاهر
العراق
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .