🔹 سلسلة وعي | حين تُستنزف بصمت 🔹
المحطة الأولى | فهم الاستنزاف
______________________
من واحة الأدب والأشعار الراقية، حيث لا تُستدعى الكلمة إلا لتُحمَّل معناها، ولا يُطرح السؤال إلا وهو يعرف خطورته، نبدأ هذه السلسلة من النقطة التي يُخطئ معظمنا في تسميتها. لسنا مُتعبين دائمًا لأننا عملنا كثيرًا، ولا مُنهكين لأن الحياة كانت قاسية فحسب، ففي أحيان كثيرة نكون مُستنزَفين لأننا تخلّينا عن أنفسنا تدريجيًا دون أن نلاحظ.
الاستنزاف النفسي ليس حالة طارئة، ولا أزمة عاطفية، ولا ضعفًا في القدرة على الاحتمال، بل هو مسار طويل من القبول غير الواعي، نبدأه بحسن نيّة ونُنهيه بخسارة صامتة. هو ليس التعب من كثرة العمل، ولا الحزن العابر، ولا الإرهاق الذي يزول بالراحة؛ بل أن تستمر في العطاء، والتحمّل، والصمت، بينما ينسحب شيء منك في الداخل دون أن تنتبه، حتى تصل إلى لحظة لا تعرف فيها: هل أنت متعب، أم فقط فارغ.
نُستنزف عندما نُقدّم تنازلًا صغيرًا ونقنع أنفسنا أنه لن يتكرّر، ثم نُقدّم غيره، إلى أن يصبح التنازل هو القاعدة والاعتراض هو الاستثناء. نُستنزف حين نُراكم الصمت، لا لأننا حكماء دائمًا، بل لأننا نخشى أن نخسر صورة، أو علاقة، أو مكانًا اعتدنا الوقوف فيه ولو على حساب أنفسنا.
الخطر الحقيقي في الاستنزاف أنه لا يوقفك عن الحياة، بل يجعلك تستمر فيها وأنت أقل حضورًا، أقل حماسة، وأقل صدقًا مع ما تشعر به. تظل قادرًا على العطاء، لكنك تفقد الإحساس بمعناه، وتظل قادرًا على الصبر، لكنك لا تدري متى تحوّل الصبر إلى عادة مؤذية.
وهنا لا يعود السؤال: لماذا تعبت؟ بل السؤال الذي يليق بهذه اللحظة من الوعي: متى بدأت أعيش وفق ما يُطلب مني، لا وفق ما أحتمله؟ هذه المحطة لا تمنح حلولًا، ولا تدّعي كشفًا، بل هي محاولة لإعادة تسمية ما يحدث بدقّة، لأن ما نُحسن تسميته نستعيد عليه بعض السيطرة… ومن هنا نبدأ.
✍️ حسين عبد الله الراشد
كاتب تأمّلات في الوع
ي الإنساني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .