الجمعة، 14 نوفمبر 2025

ملحمة الفنجان بقلم الراقي هاني الجوراني

 ملحمة الفنجان


بقلمي: هاني الجوراني


يا صاحبي… والليل يسأل دمعهُ

هل عادَ قلبك من لهيب الهوانِ؟


جئتُ الفناجين القديمة كلّها

أقلبها كالموج في الطوفانِ


فإذا الرماد يبوح لي بسرائرٍ

تمشي مع الجرح العميق الدّانِ


ورأيتُ في القاع الرميم علاماتٍ

تُشبه وجوها ماتت الأحزانِ


يا من حملت الليل فوق ضلوعه

حتى غدا ظلّك على العصيانِ


ما كان فيك سوى نجوم كسرت

ظهر السما وسقطن في العيدانِ


ورأيت طفلاً في الفؤاد يتيماً

يمشي بلا يد أمّ ولا أحضانِ


يمشي وحول خطاه وجه أبيه

يغفو عليه حنينه الفوّانِ


يا صاحبًا جرح الزمان بجرحه

حتى غدى دمع الصدى خذلانِ


هذا الفنجان الأوّل انكسرت به

أيامك السوداء كالعميانِ


سأقولها… رغم الذي تخفيه من

أوجاعك الكبرى ومن أشجانِ


ستعيش عمرًا… نصفه متوجع

والنصف الآخر يكتوي بنُدانِ


وسترجع الذكرى إليك كأنها

سيف يمر على الصدر الضعيف وثانِ


وستلتقي وجها لوجه خيبةً

كانت تسير إليك قبل ثوانِ


لكنّ في الفنجان شيئًا آخر

أخفى على عينيك كل معاني


في القلب، يا صاح، انحناء هائل

يمشي مع الآهات كالسجانِ


يا من تكسر ظلّه من حزنه

حتى غدى الظل الجريح كياني


لولا الصلابة ما نجوت معذبا

ما عاد من موت بلا نقصانِ


يا هاني… إنّ الحزن يعرف دربنا

ويعود رغم محاولات الأمانِ


لكن.. وفي منتصف الفنجان لمّا

لامست قاعه دون توانِ


رأيت وجها يلمع الليل به

كالعطر في كف الصبا الفتانِ


رأيت أنثى لو مشت في طرق الهوى

لرجفت من رقتها الأركانِ


في عينها سر المواجع كلها

وفي ابتسامتها شفاء الجنانِ


وسمعتها تنبك: “يا رجل الأسى…

جئت الحياة لأمد فيك أمانِي”


جئت لأجمع ما تساقط منك في

ليل الوحيدة من شتات لسانِ


جئت لأشعل في ضلوعك أغنية

تسري… وتدمي لحن كل حزانِ


وستحبها… حبا يزلزل نفسَكَ

المتعبة المسجونة الأديانِ


وستضع الرأس المثقل على كتفها

تشبه ضفافًا أمنت الطوفانِ


وستغفو… وكأن صدرها وطن

تطوي به خوف الدجى السجانِ


يا صاحبي… ستحب حتى تكتوي

حتى يعود العمر كالاغصانِ


حتى تعيد إليك أياما مضت

ورجعت روائحها على الودعانِ


لكن… هنا الشجن العظيم…

سيكون حبك ضيف بضعة ثوانِ


سيمر مثل السهم… يجرح مرةً

ثم يغيـب كما يغيـب أمانِ


وستبحث عنها في الدروب كأنها

قدر يفتت صبركَ العطشانِ


وتعود تمشي خلفها ويعود

طيفها يركض خلفك دون استئذانِ


يا صاح… أفهمت ما قرأت ؟ إنّه

قدر يحبك … ثم لا يبقيانِ


لكنّ في قلب الفناجين الخفا

ما لا يفهمه سوى الشجعانِ


رأيت في السادس باب مغلق

يُفتح ليلًا… ثم يُغلق آنِ


وفيه رجل يشبهك … لكنه

يبكي ولا يبكي… كفعل الأمانِ


رأيت في السابع انكسار خاشع

يمشي على مهل … بلا عنوانِ


ورأيت في الثامن طريق ضيق

ملآن أوجاع … وألف توانِ


لكن أقسى مشهد رأيته في

آخر الفنجان … حين دعاني


رأيت قلبك منكسر مصلوب حرب

عاد من موت خانَه السلطانِ


رأيتك تبكي مرةً … لكنها

دمعة رجل نادر شهمانِ


ورأيت ظلًّا من تعب

يمشي معك في غربة الإنسانِ


لكن مع الظل رأيت نورا آخر

قام … يضمك ضمّة الشجعانِ


نور يقول: سأرفع الحزن الذي

أثقلته ….. وأعيد فيك أمانِي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .