حين يُتعبني الضوء
زياد دبور
الكلُّ يراني قويًا،
وأنا تعبتُ من القوة.
تعبتُ من أن أبتسم وأنا أختنق،
من أن يقالَ لي "أنت تستطيع"،
وكأنّ القدرة قدرٌ لا يُختار.
أنا لا أريد أن أستطيع.
أريد أن أسقط مرة،
دون أن يُحاسبني أحد،
دون أن يقولوا: "ظننا أنك لا تُكسر".
طيبة قلبي ليست بطولة،
إنها فخٌّ تعلّمتُ أن أعيش فيه.
أُعطي لأنني لا أعرف أن أقول "لا"،
أُعطي لأنني أخاف أن يروني على حقيقتي،
إنسانًا يُتعبه الضوء،
ويخاف من الظلّ بنفس القدر.
أُعطي لأشعر أنني حيّ،
أنني ما زلتُ موجودًا في هذا العالم المزدحم بالغياب.
لكنني كلما أعطيتُ،
صرتُ أقلّ، لا أقلّ مالًا، بل أقلّ روحًا.
كأنّ كل مرة أفتح فيها يدي،
أفتح جرحًا في صدري.
قالوا: "العطاء قوة"،
لكنهم لم يعرفوا
أن العطاء يتركك عاريًا.
القويّ لا يُهزم،
لكنّ المُعطي يذوب ببطء،
يُفرغ نفسه ليملأ الآخرين،
ثم يعود إلى مرآته فيجدها خالية.
أنا لا أعرف:
هل أُعطي لأنني طيّب،
أم لأنني خائف من أن أكون وحيدًا؟
هل أُعطي لأنني أحبّهم،
أم لأنني أحتاج أن يحبّوني؟
العطاء يُضعفني،
لكنه أيضًا يحييني.
أنا مُدمن على العطاء،
تمامًا كما يُدمن أحدهم على الألم،
لأنه الشيء الوحيد الذي يُشعره أنه حيّ.
بدونه، أشعر أنني لا شيء.
بدونه، يختفي صوتي.
العطاء يُنهكني،
لكنه يحتويني.
حين أُعطي، لا أكون وحيدًا.
حين أُعطي، أشعر أن هناك من يحتاجني،
وهذا الاحتياج يُمسكني من حافة الانهيار.
أنا لا أُعطي فقط حبًّا،
أنا أُعطي خوفًا،
خوفًا من الفراغ، من الوحدة،
من أن لا أكون كافيًا إذا لم أُعطِ.
أُعطي لأشتري حضنًا مؤقتًا،
لأقنع نفسي أنني لست عابرًا.
لكن الحقيقة التي تعلّمتها ببطء هي:
أن العطاء ليس ما أفعله،
بل ما أنا عليه.
العطاء هو الطريقة الوحيدة التي أعرف بها نفسي.
هو الوعاء الذي يحمل قوتي وضعفي،
إيماني وشكوكي،
أنانيتي وحناني.
تعبتُ من القوة،
لكنني أخاف من الحياة بدونها.
تعبتُ من العطاء،
لكنني أخاف من نفسي إن توقفت.
لأن العطاء هو الشيء الوحيد
الذي يحتوي كل ما أنا عليه،
الشيء الوحيد
الذي يجعلني أتنفس...
وأبقى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .