"عبّاد الشمس يدور"
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – كُتبت في 22.06.2022 | نُقِّحت في 10.11.2025
أتأمّل في عمق الوجود الإنساني، حيث يُصارع الإنسان قلقه الداخلي، ويحلم بحريةٍ بعيدة المنال.
لماذا؟
كل من مرّوا، وحملوا غبار ميلادهم، سألوا وتركوا الحرية تبحث عن مأوى.
هنا تتقاطع الرموز والصور، لتكشف هشاشتنا أمام العالم، وحنيننا إلى المعنى وسط العبث،
وإلى الحب وسط القسوة،
وإلى البساطة وسط الفوضى.
بين القبر والخندق، بين الحلم والتابوت،
وبين العصافير الطليقة والقلب المأسور،
ينبثق صوت يسأل:
هل ما زال فينا ما يستحق الحياة؟
هل نملك الشجاعة لنفكر في حريتنا الحقيقية؟
وهل نستطيع أن نعيش بسلام مع أنفسنا؟
⸻
عبّاد الشمس يدور
1
عبّاد الشمس يدور،
يُصغي ويبتَهِج لقوس الحياة،
يدعو نفسه لمرافقة الشمس،
كأنه توأم الضياء والبهجة.
كل ما حمله من حب صار مدللًا،
راقيًا في قلبه،
مصفوفًا لا يُزاحم رونقه،
قرصًا بألف حبّة،
وساق تتلوى بدلالها.
تجمعهم الشمس في كف مدوّرة الأصابع،
تاج على ساق في مملكة الخلق.
2
ونحن نتحرّق دون شوق،
وشتمنا صمتنا،
حتى صار العلم رداء قنوط في العيون.
وكل من وعى جهلنا تجاهلناه،
لنبقى أحرار الرماد.
لا نملك للبساطة عنوانًا
سوى الفقر وطلب المزيد،
ولا شريحة من السعادة
قبل أن نتوّج المسير.
ندور بلا شمس، نحمل ألف حبّة…
نحتار قبل الزرع في مردودها.
شتمنا أنفسنا بغرور المتهوّرين،
النازلين في درجات القلق،
نُبعد الشبهات عن ذواتنا
في آخر شهيق الغرق.
نكابر… حتى نصل إلى من ينسانا.
كل سكّان المقابر لا يعلمون
من يأتيهم نصيرًا،
إن صاروا عبئًا على الزمن.
هل يبقى الإنسان هكذا مقهورًا؟
يتلفّت في اتجاه واحد،
ولا يرى سوى ظهره المحروق؟
دورانه متاهة…
فأي السلالم نصعدها إلى الشمس؟
والشمس تعبر النوافذ؟
نخشى الوضوح في الرؤية،
حتى لو صعدنا جبلًا.
3
العصافير طليقات، ونحن في القفص،
قفص بلا باب ولا جدران.
تحط على أغصان الشجر،
ونحن نعيش بين قبر وخندق،
نظن ظهر أخينا من ورق،
وصدره عدو.
جمعنا حبّات القيم،
واختلفنا بين الصفاء والكرم،
فصنعنا تابوتًا… وغنينا معًا.
أيها الحالم مثلي،
تعال لنرسم ثوبًا جديدًا،
حتى وإن خطه لنا العدم.
نحط له أزرارًا من صدف البحر،
عوجاء محدبة، لا يهم إن شبكت الثوب،
فذلك هو شكل الحرية.
على صفحة الأرض التي كانت لنا…
قبل البكاء.
4
ما زلنا نبحث عمّن يصدّقنا،
ويمنحنا شهادة البقاء.
احمونا لنحلم،
لعلنا نصدق أننا أحرار.
تعالوا… حدّثونا
بحروف من شوق خالص،
ونحن للمس القدر،
لنسأل: هل لنا فيه صفحة بيضاء،
نكتبها بحبر بنفسجي أو أخضر؟
سندخل بيوتنا بأمان،
ونحصد ما تبقى من القمح،
ونصنع خبزًا أخيرًا… بطعم الخبز.
نخرج ما تبقى من العطف،
ونطفئ كل نار لم توقد للعشاء،
ونغني للحريّة… ليسمع البقاء.
5
أشتاق لك، ولهم،
أولئك الذين يدورون مع الشمس،
حتى يصير الود شهوة العاشقين،
وقلادة من حبّات الزيتون.
لك الخيار:
إن دعوت العصافير الطليقة،
وإن ضمنت ألّا يلفني الخجل
حين أصبح مثلها،
أغرد في أول ساعات النهار،
وأَنشر جلدي للشمس،
لأنني حر.
يا سامعي، اسمع:
أنا… حر.
وتعال لنتعلّم الغفران،
فإن لم نكن نختلف على الجمال،
فخلافنا على الوهم
جريمة تحتاج إلى غفران.
أنا سجين،
وأنت معلّق على الجدران،
ونحتاج إلى أغنية مطلعها:
كيف نزرع النسيان،
ونعود إلى بهجة العمر،
وفي قلوبنا يسكن لحن الزمان.
6
عشنا أحرارًا،
عاشوا أحرارًا،
سيعيشون أحرارًا،
والكل خارج دائرة
تدور نحو الشمس.
نكذب خمسة أجيال،
ونسقط في ظلام النفس.
يا قرص دوّار الشمس…
اعذرني، لا أشبهك،
وساقي لا تحمل تاجًا،
أدور حتى نحو الطحالب.
ليس شوقًا، ولا غباءً،
بل خوف من أن أتفوّق على طموحي في الحرية.
طاهر عرابي – دريسدن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .