الثلاثاء، 18 نوفمبر 2025

تحت جذور السنديان بقلم الراقي زياد دبور

 تحت جذور السنديان 

زياد دبور


وجدتُ جدّي الذي لم يمت،

لكنّه كان يجلس بملامح ليست له،

كأنّ الحياة تجرّب وجهاً جديداً له في كل عمق.

كان فوق حجرٍ لم يكتمل حجراً،

بل ذاكرةً متكلّسة

تحاول منذ قرون أن تتذكّر شكلها الأول.

كان يصلح فأسًا لا يصلح لزرعٍ ولا لحصاد،

فأسًا مكسورًا

لا يريده لشيء فوق،

بل لشيءٍ لا يُعرَف في أي أرض.

قال دون أن يرفع عينيه:

"تأخّرت.

منذ أن دفنتَ نفسك… وأنا هنا."

قلتُ:

"أنا لم أُدفَن."

ضحك.

ضحكة قصيرة، حادّة،

كأنها خرجت من رجل آخر يسكن صوته:

"الموت ليس أن تتوقف،

بل أن تنسى سبب النزول.

وأنت… نسيتَ كلّ شيء."

لم أجد جوابًا.

فالعمقُ لا يحب الأسئلة،

ويكره الكلمات الكبيرة،

ويسمح فقط

بالانكسار الذي يشبه الاعتراف.

في العتمة رأيتُ امرأةً

تغسل ثوبًا لم يُلوثه الطين،

بل لوّثته السنواتُ التي لم تبكِ فيها.

كانت تغنّي،

لا لأن الحزن خفيف،

بل لأن العتمة

أول مكان يغفر للبكاء ضعفه.

سألتُها:

"هل تشتاقين ممّن تركتِ فوق؟"

قالت:

"لم أترك أحدًا.

تركتُ نسختي التي أقنعت العالم بي.

النسخة التي صدّقتني… بقيت هنا."

ثم رأيت رجلًا

يبني بيتًا من عظامه.

لا قبرًا،

ولا مأوى،

بل شكلًا يريد للأجيال القادمة

أن تدخله لتعرف

أن الحياة ليست فوق فقط.

قلتُ له:

"أهذا بيت… أم شاهد قبر؟"

ردّ دون أن يرفع رأسه:

"ما الفرق؟

البيوت قبور مؤقتة،

والقبور بيوتٌ طويلة.

كلاهما يحتاج ظلًّا تعرفه."

اقتربتُ من الجدّ الذي يشبه جدّي ولا يشبهه:

"لماذا لا يصعد أحد من هنا؟"

قال:

"لأن الصعود ليس طريقًا… بل محوًا.

فوق يجب أن تشرح وجودك،

وتبرّر خطواتك،

وتخاف من كلّ عين.

هنا…

لا أحد يراك.

وهذا يكفي لتكون حرًّا."

ثم قال بصوتٍ يشبه الريح حين تتذكّر نفسها:

"الذاكرة أثقل من الجاذبية؛

ما يسقط منها لا يصعد،

وما يصعد من دونها… يضيع."

في أعمق نقطةٍ وصلتها

لم أجد حجرًا ولا ترابًا،

وجدتُ الطفل الذي كنتُه

جالسًا على ركبتيه،

ينظر إليّ كما ينظر المهجور إلى العائد متأخرًا:

"لماذا تركتني حين صدّقتَ أنك كبرت؟"

وبجانبه

يقف الشابّ الذي لم أصبحه،

ما زال واقفًا على مفترقٍ

أعرف أنني مررتُ به…

ولم أدخل أي طريق.

قبل أن أصعد

وضع الجدّ يدَه على كتفي

كمن يضع صخرة كي لا أطير:

"اسمع…

الشجرة التي ترفع رأسها نحو السماء

تدفن ظلّها بيننا أولًا.

من لا يعرف عمقه

لا يستحق ارتفاعه.

وعندما ترى فوق

الناس يتقاتلون ليكونوا أغصانًا،

ابتسم…

فالجذور وحدها تعرف الحقيقة

ولا تموت."

ثم اقترب من وجهي وقال همسًا:

"لا تُخبر أحدًا بما رأيت.

سيقولون إنك شاعر،

والحقيقة أنك فقط نزلت

إلى المكان الذي لا يحتاج لغة

ولا يصدّق الأصوات."

وحين صعدتُ،

لم أخرج من قدمي ولا من فمي،

بل خرجتُ من عينيّ.

رأيت العالمَ

كأنه تحت وفي الوقت نفسه فوق:

الشجرة قائمة،

وأسفلها مدينة كاملة،

والذين نسيتُهم

يمشون بجانبي دون ظلّ

وكأنهم يذكّرونني:

"النزول ليس هروبًا،

بل ذاكرة."

تحت جذور السنديان

لا يوجد موت،

ولا توجد حياة.

يوجد ما يسبق الاثنين:

الصوتُ الأول

حين حاول الترابُ

أن يتذكّر نفسه.

وفوق؟

فوق ليس مكانًا،

ولا بدايةً جديدة،

ولا امتدادًا للحياة.

فوق

مجردُ نافذة

تطلّ على عمقٍ

نحمله معنا أينما ذهبنا

ونعود إليه

كلما ضاعت السلالم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .