الثلاثاء، 4 نوفمبر 2025

القتلى يسيرون في دائرة بقلم الراقي طاهر عرابي

 “القتلى يسيرون في دائرة”

قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي

دريسدن – كُتبت في 20.12.2023 | نُقّحت في 04.11.2025


في زمن يزداد فيه الخطاب عن “السلام”،

يزداد عدد القتلى. تتكرّر المأساة حتى غدت عادة بشرية، وصار الكذب يُقال بلهجة الانتصار.


في كل دائرة يسير القتلى، يعيدون رسم العالم من رمادهم. الحرب لا تموت…

إنها فقط تغيّر أسماء الجنائز.


هذه القصيدة ليست رثاء لأحد،

بل سؤال في وجه العالم:

كم مرة يمكن للإنسان أن يموت قبل أن يعترف بأنه مات؟



القتلى يسيرون في دائرة


رحى الحرب تدور منذ أمد،

هذا جريح، وهذا قتيل، وهذا شريد،

والكذب يطفو على المنابر:

تقدّمنا، تصدّينا، أنزلنا، وأوقعنا…


وكل مهزوم منتصر،

ولم نعد نعلم: من الصادق؟ ومن الكاذب؟

وهل يهمّ الصدق والكذب في حرب؟


تبدأ همجية اللغة،

ويتخبّط زبد الأرواح على المصاطب.


وفجأة يصير الغازي حمامة،

مُزيّنًا بالنوايا والوصايا،

وله “وجهات نظر”،

والمُدافع عن نفسه… متطرّف،

كان منسيًا تحت حجر.


وتعود الحرب كما كانت:

حربًا تُعيد الزمان الغابر،

والمشهد يتكرّر…

مقتول وقاتل،

وأم تحمل طفلًا،

وخيام تُنصب،

ومستقبل يتلوّى في المحافل.


يتبرّعون بالطحين وحبّات العدس

لمن أفقروا وسلبوا بيته وأرضه،

واتّهموه خارج الظل،

والأقواس لا تحنيه، ولا يتكسّر،

ثم يقولون:

“عواطف إنسانية تدخل المعابر!”


لماذا هذا المصاب؟

وفي كل حرب نقول: “ستكون الأخيرة!”

ثم ننسى… قبل أن يلتئم الجرح، ننسى.


تحفة المجرمين في لوحة ساحات الدمار،

كأنني لون في لوحة أزلية من الدم،

رسمني العظماء وأنا أسيل على بلاط الزعماء.


كان دالي الذي اخترع ساعة تسيل،

ونسي وجهي القتيل.

رسمنا، وانتهى الحبر الأصفر،

وفّرت الألوان، وبقي السؤال.


أوقفوا الحرب اليوم،

وحرّموا القتل إلى الأبد،

إن كنتم بشرًا،

إن كانت غاياتكم مد يد لكل يد.


كذّابون، ملعونون،

خائنون للقيم،

يغمضون عينًا لتسعد الأخرى،

يبدلون الوجوه والذمم،

وتضيع الكرامة بين الفكين،

والكل أعمى… يعبث في حب العدم.


أنا لم أعد أحلم،

لا بحرية بين المنابر،

ولا بسلام في مصانع صواريخ الغدر،

ولا بموعد مع من وعد،

ولا بغصن زيتون في منقار حمامة رسموها على الورق،

ولا باجتماع الأمم على مفترق الطرق.


الكل كذّاب،

يتباهى برايات المحبّة،

ومعه صواريخ تمزّق الأمانة،

ولا يخجل من وجهه في المرآة،

حتى ولو ظهرت التقاسيم منحرفة عن الملامح البشرية.


تكبر دولة، وتُمحى أخرى،

تتغيّر لغة… ويموت الماضي ويبقى بريق الصور،

وتعود الملحمة تصارع الفروع والجذور،

وتكسب جيلًا يراها قدر.


أحلام الشياطين في فم بشر،

يتقلّبون مثل محار في عتمته،

وهم من حلموا، وماتوا، ولم ينتصروا لأسطورة.

بقيت عظام المحار في الرمل،

ودُفن عبث الإرادة في فهم الزمن.


طحين الخبز ملاذ البسطاء إن اشتد القلق،

وكأنه هوية النهاية.

أكلناه بصبر ما بعد الصبر،

لنرى وجوهكم العارية،

وندرك أننا غرباء،

قد غرّبنا الغادر بدفّة واحدة نحو البحر.


لوحات خيالكم جميلة،

حبّات تفاح على الطاولة،

والزمن يسيل على الكراسي المهجورة.

ولوحات الواقع: قلم مكسور، دفتر معلّق على سارية بلا صفحات،

وشعارات ترفرف في قلب زوبعة مكسورة.


وكأنكم تبحرون في الضباب،

من صنع الضباب بلون الرماد؟

واللون الأحمر لم يجف بعد،

دمنا هنا على مفترق الغايات،

إنه يصرخ تحت أصابعكم: كفى!


لن يسألنا التاريخ: من انتصر؟

بل: كم إنسانًا بقي فينا بعد كل حرب؟


طاهر عرابي – دريسدن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .