“أصدقاء خلف البحر”
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – كُتبت في 23.07.2023 | نُقِّحت في 11.11.2025
كتبتُ هذه القصيدة وأنا أُقلّب وجوهَ أصدقاءٍ عبروا البحر، لا طلبًا في مجدٍ، ولا هربًا من قدر،
بل لأنَّ الضيقَ ضاق، والوطنَ تقطّعت فيه السُبل.
ليست رثاءً، بل بوصلة. ما بقي من ملامحهم في الذاكرة يستحق أن يُروى.
أعدتُ تنقيحها، وعيناي على بلدان عربية أخرى، حيث وضعوا تحتها نارًا خامدة، وينتظرون سقوط التاريخ.
لستم أعداءً لهم؛ أنتم الآن مجرد ظلٍّ ملغى، في هذا الانكسار.
⸻
1
أصدقاء خلف البحر
لي أصدقاءٌ خلف البحر،
ركبوا زورقًا… فتحطَّم.
فلا سعادةَ — في الرحيل.
تعلّقوا بخشبٍ مبلَّلٍ،
ونجَوا…
لأنَّ الموتَ كان مشغولًا بأوطانهم.
على الشاطئ،
أشعلوا النار في الحطب،
واتكأوا على انتظارٍ طويل.
فاجأهم المطر،
والبردُ يُحوِّلُ رجفةَ العروقِ إلى صقيعٍ.
والعِبرةُ أن ترتجف،
حتى وأنتَ قتيلٌ،
تتذكّرُ دفئًا انقضى في ثيابك،
وأنت سفيرٌ،
عينُه الخوفُ في جسده.
2
كان لي أصدقاءٌ خلف البحر،
تساءلتُ:
كيف يكونُ الحزنُ على إنسانٍ
أوقد شموعَ السعادةِ في كهوفِ المنفى،
ثم ظنَّ الضوءَ أملًا؟
فرغَ زيتُ المصباح،
وارتمى الضوءُ،
وكأنّه ما كان إلا ضيفًا
لا ينتمي للوجوه التي تقلبت بين السوادِ والرماد،
وباتت بملامحِ الفراغ.
ما أقسى القطيعةَ في ليلٍ مظلم،
وما أجملَ الأملَ
في نهارٍ يعجّ بالصخب.
تلفّتوا من حولهم:
رُبّ شيءٍ… يُعيد شيئًا مهمًّا.
ماذا كان مهمًّا؟
غير الوطنِ، وزيتونه، وسمائه.
سنشرب قهوتَنا كالمعتاد،
ولم يتغيّر سوى كانون:
جاء باردًا، جافًا،
كجلدِ بقرٍ ميّتٍ تحت شمسٍ شاحبة.
ليس لنا رائحةٌ تنتظر،
ولا مذاقٌ لأحد.
وحين ضاع اللقاء، تفرّقنا في الجهات الأربع،
كلُّ جهةٍ حملت غيمًا منّا… لم يُمطر بعد.
3
السنواتُ تمرّ كإعصارٍ في العروق.
جفّت الذكريات،
وتلاشت ملامحُها، وخَفَت الشوق.
ولم يبقَ لنا
إلّا العودةُ إلى الطريق الأول:
طريقٌ بلا مواعيد،
لا ينتمي للأحزان،
نحمله معنا حيث نمضي
طريقُ الحياة.
وصناعةُ الإنسانِ الذي يواجهُ الحقيقةَ
بكثيرٍ من الأمل.
سخروا من الأمل،
فغفرتُ لهم،
وقلت: صدّقوني، لستُ بطلًا،
غير أني أرى السحبَ كثيفةً… بمطرٍ جافٍّ.
تعالوا… لنخاف.
4
أصدقاءُ خلف البحر،
يمتلكون فجيعةً تتبعها فجيعة،
ويمضون بخطًى من حديد.
منذ نصبوا الخيامَ قالوا:
“رحّلونا وسنعود.”
رسموا البلادَ بأيديهم،
وعلى وجوههم
صورُ الحاضرِ والغائبِ والمولود.
في كلِّ صباحٍ: يومٌ جديد،
يحملُ بشرى،
والماضي ذكرى،
وكلُّ محتلٍّ… موعدُه لا يحيد.
وُلد الماردُ فينا
بين أوتادِ الخيام،
فمه مليءٌ بطعمِ المأساة،
وعيناه… وقودٌ للنهار.
تعلّمنا طيبَ الكلام
حين هفَّت علينا أسرابُ الحمام،
وتعلّمنا أنَّ صاحبَ الأرض لا ينام.
متى كان للنومِ مكانٌ في عينِ المظلوم؟
5
كلُّ الأعداء جاءوا غرباء،
محملين بكراهيةٍ متأصّلةٍ بالهمجيّة القديمة.
هم آخرُ الغزاة،
يتحطّمون كبيتِ عنكبوتٍ مهجور.
لم يتركوا لصاحبِ الأرض
زيتونتَه،
ولا حفنةَ قمح،
ولا كلماتٍ فيها سلام.
دعهم يصنعون الأسوار،
ويختبئون في الخوف،
ويلتحفون اليقظةَ في ارتعاشِ المنهزمين.
أغواهم الوجود
على عتباتٍ من أجسادِنا،
مغيبون في الغرور،
يتبادلون الضحكاتِ الوضيعة.
إنهم يقتلوننا عن بُعد،
وعن قُرب،
حتى في أحضانِ الحمام.
ويمرّ صوتُنا سريعًا في صالوناتِ الهزل.
تُؤجَّل المؤتمرات،
وتُعلَن الشعارات،
وصاحبُ القامةِ المنتصبة
يغرسُ أوتادَ الخيامِ في بطنِ الغول،
ويقول:
“سنعود بعد هذا الليل.”
ويقفزُ في هواءِ الوطن،
عنقاءُ الخيامِ تُرعبُ الغزاة.
وهل يُظنُّ أن الأوطانَ تُحتلُّ
ولا ينتصرُ الشعب؟
6
ليس لدينا خيارٌ سوى الوطن.
جلس الغزاةُ،
وأعدّوا خُطّةَ النسيانِ والجدرانِ والقتل،
ونسوا أننا نملك ما لا يملكون:
الحق،
والذاكرة،
وإرثَ الوجود.
مرّت السنواتُ الطويلة،
وكنّا تحت كلِّ أنواعِ الوحل.
لم تُذرف دمعة،
ولم يُسمح لنا بحلم.
ملايينُ القتلى تحت خيامِ التنك.
فكيف لا تثور الأرضُ
إن ضاقت بكلِّ هذا الغدرِ واللؤم؟
افتحوا الأبواب… سنعود.
أصدقاءُ خلف البحر
طووا الشواطئ،
ووصلوا إلى حيفا،
وفي أيديهم… خريطةُ الوجود.
فهل عرفَ الوجودُ طريقَهم؟
أم ما زال البحرُ يرسمُ المدى…
بحثًا عن وطنٍ يولَدُ من الموج؟
تعالوا نرتب الشرايين،
نجمعهم في العيون،
فلا فرق بين الشرايين المهاجرة والرحيل.
طاهر عرابي – دريسدن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .