✦ من وحي النار والدفء والخراب ✦
كان البيتُ فردوسًا إذا اشتدَّ الشتاءُ يُضمّدُ البردَ بالعافيةِ
وكنّا حين يشهقُ الموقدُ الأحمرُ نُصغي كأنّ النار آيةٌ من آياتهِ الساميةِ
تمدُّ الشموعُ ظلَّ الضوءِ في الغرفةِ كخيطٍ من حنينٍ ينسابُ في خواطرٍ باكيةِ
وكانت القطةُ تلتفُّ على السجّاد وكأنها تحفظُ سرَّ الليل بطمأنينةٍ راضِيَةِ
هناك… حيث لا خوفٌ ولا بابٌ مخلوعٌ ولا أقدامُ غُزاةٍ تدوسُ الأمانَ برعْنِ همجِيَّةِ
أيامُنا كانت رَخاءً، وكانت أرغفةُ الطمأنينةِ ساقيةً للروحِ في صمتٍ ومخملِيَّةِ
ثم جاء الخرابُ يطرقُ جدرانَ البلاد كما الذئبُ على حضنِ الطهرِ بعواءاتٍ وحشِيَّةِ
تهدَّمت البيوتُ، فكيف للنار أن تحنو؟ وكيف للدفءِ أن يعودَ لحكاياتٍ منسيّةِ؟
يا غزة… يا وردةَ الجمرِ، ما زال صهيلُك في الريحِ ينادي الأرضَ بلهجةٍ فينيقِيَّةِ
ويا ضفّةَ القلبِ، جراحُك ليست جراحًا… بل بحارٌ من صمودٍ ونبوءةٍ قدَرِيَّةِ
أحنُّ إلى تلك اللحظاتِ المدهشةِ حين كانت الحياةُ تُشبهُ قطعةَ خبزٍ وأغنيةٍ سحريّةِ
إلى ضوءِ الشمعةِ فوق الخشبِ يُضيءُ وجهَ أمّي كطيفٍ من سماواتٍ نبويّةِ
إلى موقدٍ يلهبُ أحاديثَ أبي مثل قمرٍ شاخَ في صدرِ ليلٍ بكرٍ وأمنِيَّةِ
إلى سقفٍ لم يَسقطْ… إلى نوافذَ لم تُغلقْ… إلى وجهِ وطنٍ لم تُرتكبْ في حقّه مأساةٌ دهرِيَّةِ
ذهب الدفءُ كما يذهبُ الطفلُ من حضن أمه حين يُساقُ إلى ريحٍ باردةٍ نفيَةِ
وبقينا نحن نحملُ الجرحَ كعَلَمٍ لا يُثْنى، وكقلبٍ يعرفُ أن البقاءَ مقاومةٌ أزَلِيَّةِ
ولم نُخلقْ لننكسر… بل نعودُ، ننبتُ من الرماد سنابلَ تمتدُّ للسماء بجذورٍ مقدسيَّةِ
نعودُ كما يعودُ البحرُ، كما يعودُ الفجرُ رغم أنوفِ الليل والعتمةِ الغاشِيَةِ
هنا فلسطين… هنا دمُها القُدسيُّ يطهّرُ الكونَ من الظلمِ بموجاتٍ نورانِيَّةِ
وهنا أنا… أكتبُ من رماد النار مجدًا جديدًا، وأعزفُ للخراب نشيدَ القيامة العربيّةِ
✦ بقلم: ناصر صالح أبو عمر ✦
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .