"وجوه بلا بصمات"
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – كُتِبت في 27.08.24 | نُقِّحت في 24.11.2025
في عالمٍ يزدادُ تكلّسًا تحت أقنعةٍ مزخرفة،
وحيثُ الوجوهُ لا تحملُ بصماتٍ،
بل ظلالًا باهتةً لما كنّا عليه أو ما نريد أن نكونه،
تأتي هذه القصيدةُ صرخةً في وجه الرداءة،
لا لِتدين فقط،
بل لِتفتحَ نوافذَ على هشاشةِ الإنسان العربي،
وعلى الحُلمِ المتبخّر في زحام النياشين،
وحكاياتٍ تُروى من فمِ الثعالب.
⸻
وجوه بلا بصمات
1
غاب الحاضرُ منّا،
وظننّا أنّا نملكه ليكون لنا ومعنا.
دخل كهفَ الغرباء،
وامتدح العتمة، ثم مضى،
لا بصمةً ترك على وجهه،
ولا على سطح قطرات المطر،
حتى أصبحنا نقلب النداء… ونفشل.
ظنّ نفسه صورةً تُحاكي أخرى،
وفي المأساة تتلف الصور.
وسأل: مَن كان الفراغ؟
أكان ظلامه يختبئ فيه… ثم انكسر؟
غضبْنا من جفاف اللسان وشُحّ المروءة،
وحدّقنا في الوجوه، نراجع مساربَ عروق الدم
واللون الحنطيَّ في زمن الخطر.
صرخنا من بُعد العيون عن الجبين،
وأنكرنا فمًا منزاحًا إلى صمت الحجر.
وحتى الأشجار غضبت من ماءٍ مزيّف،
وخافت على الثمر.
وقال الورد: يا حسرتنا!
عطرُنا سرقته ديدانُ الأرض… واندثر.
2
تعالوا نرتّب ما خلّفته الفضائح،
وننادي هذه الأمة — فردًا فردًا.
نفتح طاقةً في جدران البيوت
لتصفرّ الرياحُ وتُخرج شوائبَنا،
ونفيقَ من غيبوبة المستهتر.
ما أشقانا أن نصير طيرًا يهاجر،
أو أقفاصًا لانتظار ما هو قاسٍ ومرّ.
كنّا نطمع بجودة القيم،
فماتت بين أيدينا كفقاعة صابون.
هتفنا — خجلًا من الضياع —: “تحيا!”
وكان الجرح ظاهرًا،
فتراقصنا على القمم،
ثم هوينا إلى الأرض،
نبحث عن ظلّ لمستقرّ:
خيمة، عريشة،
أو جسرًا نفرش تحته لحافًا ونتغطّى بوسادة.
3
حياةُ الغريب معلّقةٌ
بين الظلّ الأخرس والمرايا السوداء.
غرباء بين السلطة والأرض،
نقف على قلمٍ مكسور،
خطُّه المخفيّ يأمر،
والورق يشكو الذلّ،
ويختنق تحت ألسنةٍ
ركبت في الأفواه على عجل،
تشبه صمت السجون.
وفي غمرة ما ينهشنا ويأكلنا،
تنهض الغاياتُ القبيحة قاتلةً،
كأنها ثعلبٌ مسعور
وجد قمحًا… وفقد الدجاج،
فغرف من الجشع بلا منقار،
وانتفخ من التخمّة.
وفي صباحٍ آخر
من أيام الغرباء،
أعطوا الحقَّ للأفعى
لتبتلع صغارَ العصافير والصيصان،
وتبتلع النعوش،
وتتمدّد على عتبات البيوت
كمخبرةٍ تراقب صاحب الدار المقهور.
حتى صار هاربٌ يلحق هاربًا،
والوطنُ ملعبًا
مخلوعَ العشب… تالفًا ومكسورًا.
4
تقاسموا الأرضَ والسماء،
حتى صار المواطن
يكتب أحزانه على الرمل،
فتَمحو الأمنياتِ خطى العقرب.
نجلس ونترقّب،
وكأنّ على رؤوسنا خنادق حرب.
على ماذا تبحثون في فم الثعلب؟
والثعلبُ هو نفسه من الصقور.
يا حزنَنا…
يقتلني ويفرح الطغاة.
كثر الخلط في قدري،
وكثر الطهاة.
من يتغذّى على الظلال
لن تُرى له قامةٌ
يكسر بها الضوء،
ويردّ الروح إلى الصفاء.
نحن في ذروة المحن،
ألا تسمعون الإنذار؟
هذه النفوس تربّت في علل،
وصار نزيفُها قيحًا له علاماتٌ وآثار.
من لم يرَ في غزّة جرسًا،
فقد السمع، واقتُلعت عيناه،
ومضى يعلّل نفسه بالقهر.
ماضون ننهش رفاهية العزلة،
ولا رقيب، ولا خُلق
يحمي ما تبقّى من النهار.
يا نشوة الفاشلين… ويا صرخة المظلومين،
إن احترق الخبز في قلب التنور.
5
والصباح قادم،
حتى لو سرق القمحُ صبرَ الزعتر،
فالخبزُ أقوى من جفاف الأرض،
والأرضُ تمنح أصحابها فيضًا من انتصار.
صحونا نرتّب الزرع،
ورفعنا الوجوه لنداءِ المطر.
بالحضارة نصبح أشجعَ من النمور
إن وقفنا. فالحرية والكرامة
هما قسمُ الإنسان.
فمَن يصحو، والساعات تدور؟
سقط العنكبوت من بيته،
فتهافتت فوقه الطير،
وغربانُ غزوٍ تحطّ وتقلع.
ما أكثر الثعابين التي زحفت،
ولم ترَ أنّ في السماء سُحبًا
يقودها طيرٌ من عنقاء البشر.
وسيَغيب التفتّت والشرود،
وتحفظ الأرضُ البصمات،
وتصوّرها على الصخور
وعلى لحاءِ الشجر…
لتشهد أنّا كنّا،
وأنّ المعنى لا يسقط من الوجوه،
لكن الوجوه تسقط من المعنى إن تنكرت،
وغابت خلف وجهٍ مكسور.
طاهر عرابي – دريسدن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .