الثلاثاء، 18 نوفمبر 2025

المدينة التي تنقش صمتها بقلم الراقي الأثوري محمد عبد المجيد

 🌠#الملحمة_الفريدة: #غزة_وادي_الجان🔥

  – محمد عبدالمجيد الأثوري


– الفصلُ الثاني: المدينةُ التي تَنْقُشُ صَمْتَها


-----


في قلبِ غَزّةَ،

حيثُ لا تَصِلُ الشَّمسُ إلّا مِنْ ثُقوبِ القَذائفِ،

كانتِ البُيوتُ تَتَنْفَّسُ بِصعوبةٍ،

كَصُدورٍ مُثَقَّبَةٍ تُحاوِلُ أن تُغَنّي لَحْنَها الأخيرَ

قَبْلَ أن يَنْطَفِئَ الجِدارُ.


في زُقاقٍ ضَيِّقٍ،

تَحْتَ نافِذَةٍ مَقْطوعةٍ كجَفْنٍ لَمْ يَعُدْ يُغْلِقُ،

جَلَسَتِ امْرَأةٌ تَكْتُبُ على جِدارٍ مُحْتَرِقٍ:

"هُنا نامَ أَخي؛

هُنا كُنّا نَضْحَكُ؛

هُنا خَبَزْتُ آخِرَ خُبْزٍ لِأَطْفالي."


ثُمَّ وَضَعَتْ كَفَّها على الحائِطِ،

كَأَنَّها تُقْنِعُهُ أن يَكونَ ذاكِرَةً لَها،

أَنْ يَصْمُدَ نِيابَةً عن قَلْبِها المُخْتَنِقِ.


المدينةُ لَمْ تَكُنْ صامِتَةً؛

كانتْ تَتَكَلَّمُ مِن خِلالِ الرَّمادِ،

مِن خِلالِ رائِحَةِ الزَّيْتونِ العالِقَةِ في الهَواءِ

حَتّى بَعْدَ احْتِراقِ البُيوتِ،

مِن خِلالِ صَوْتِ ماءٍ لَمْ يَعُدْ يَأتي،

وَمِن خِلالِ أَطْفالٍ يُحَوِّلونَ الحِجارةَ

إلى أَلْعابٍ مِن زَمَنٍ سابِقٍ على الخَرابِ.


في أَحَدِ الأَزِقّةِ،

وَقَفَ رَجُلٌ يَحْمِلُ كاميرا مَكْسورَةً؛

قالَ وهو يُنَظِّفُ غُبارَ العَدَسَةِ:

"أُريدُ أَنْ أُصَوِّرَ ما لا يُرَى؛

أَنْ أُري العالَمَ كَيْفَ تَصْرُخُ الجُدْرانُ،

وكَيْفَ يَبْكِي الظِّلُّ على الأَرْصِفَةِ،

وكَيْفَ يَضْحَكُ طِفْلٌ رَغْمَ أَنَّ قَدَمَهُ صارَتْ رُكامًا."


ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ نَحْوَ السَّماءِ،

وَسَأَلَ بِصَوْتٍ انْكَسَرَ نِصْفُهُ في الهَواءِ:

"هَلْ يَسْمَعُنا اللهُ؟

أَمْ أَنَّ الدُّعاءَ يَحْتاجُ اليَوْمَ إلى صَدًى أَعْلى مِنَ الوُجودِ؟"


غَزّةُ أَجابَتْهُ،

لا بِالكَلِماتِ،

بَلْ بانْفِجارٍ بَعيدٍ،

ثُمَّ بِصَمْتٍ أَعْمَقَ،

ثُمَّ بِزَهْرَةٍ صَغيرَةٍ

نَبَتَتْ مِن بَيْنِ الحِجارَةِ المُحْتَرِقَةِ،

كَأَنَّها تُوَقِّعُ بِالضَّوْءِ

على أَنَّ المدينةَ ما زالَتْ حَيَّةً.


النّورُ المُتَسَلِّلُ مِن بَتَلاتِها

لَمْ يَكُنْ نُورًا؛

كانَ نُبُوءةً.

والوادِي القَديمُ بَدَأَ يَتَمَلْمَلُ مِن نَوْمِهِ الحَجَرِيِّ.

-------

-يتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .