الثلاثاء، 5 أغسطس 2025

أمشي في..إلى فلسطين بقلم الراقي

 “أمشي فيّ… إلى فلسطين” 


في طرقاتٍ لا تحفظ أثر الأقدام،

يمشي الإنسان الفلسطيني محمّلًا بأسئلته، وذكرياته، وانتمائه الذي لا جهة تعترف به.

هذه القصيدة ليست بيانًا، ولا نشيدًا.

بل محاولة للكلام عن الطريق،

حين يكون الطريق هو كلّ ما تبقّى لنا والهدف أقرب من الحاجب.



أمشي فيّ… إلى فلسطين


قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي

دريسدن – 18.06.2024| نُقّحت 05.08.2025


1


كنتُ أمشي، وتنكرني الجهات،

كأنني ممرٌّ جانبيّ ملتصقٌ بجسدي،

أدفعه معي، وأخشى أن يترنّح،

أن يتمدّد في خريطةٍ

لا تثبتُ على الورق.

للشريد كل الايام ولا وثيقة 

تكشف عن سر الهيام 

وللشريد طموحٌ آخر

غير ذاك القيد،

أن تكون حيث يريدونك،

محاصرًا في أخدود.


2

وردةٌ انحنت عند طرف الطريق،

لا تدري مَن أنا،

غُرست فيها القيمُ من السماء،

وغابتْ عن قسوة الأرض.


وقالت لي:

“ألا تخجلُ من عطري؟

توقّفْ، فالحياةُ عبور،

والعبورُ الأصعب

أن لا تملأ صدركَ بشيءٍ

يستحقُّ أن يبقى.

أتظنّ أن العطرَ من العبث؟

فتعلّمْ أني الحقيقةُ في النقاء،

ولا تُغادر،فقط لأنني لا أتبعك.”


3

لكنّ حصاةً من الطريق ردّتْ عليها،

وأوجعتني بمصيري، وأشعلتْه:


“دَعيه…

له هدفٌ أسمى من الوقوف،

حتى لو تعثّر بالذهب.

لو كنتِ تعلمين كم تعذّب،

لحملْتِ جذركِ وعطركِ،

وذهبتِ معه، مرفوعةَ الساق،

تتراقصينَ على نشيد الدرب.

وكنتِ قلتِ لبساتين الأرض:

لا أسمى،ولا أحلى،

من أن تتبعوا عملاق النكبة ،

قامته صنوبر، ووجهه

تأخذ منه الحياةُ انفاسا للحمام .


4

قال لي ظلّي:

“مشينا كثيرًا…

ولا شيء يمشي معنا.

أنا مهزومٌ،

مثل نجمةٍ طلعَ عليها الصبحُ

وفقدتْ من حولها الضياء.

تحسّرتْ…حتى غاب النهار،

وحين عادوا، بكَتْ،

ولم يُواسِها أحد.

هل ترى القطيعة ؟

كلُّ تقاطعٍ

كان تعبًا مستترًا يتظاهرُ بالراحة،

كأنّ الطريقَ يختبرنا بطُعمِ الاحتمال.

ونحن نتحمّل مصيرًا

أكبر من خطوة 

حتى لو كانت الخطوة

على مرجان البحر.”


5

ألصقَ الظلُّ جناحًا على الجبين،

وقال لي معاتبًا:

قهرتُ الوردة،

ولم تشكرِ الحصاة.

ألا تدركُ

أنّ الخطوةَ القادمة

قد لا تكون خطوة؟

وإن كانت تشبه دبيب الصمت على جسد الغيمة 

اخاف ان يشغلنا عذاب الضمير،

ونتردد في خطوه اقرب الى العطش.

و الضوء قد يختفي،

وتبقى أنت وحدك،

تلتصقُ بجسدك 

ما اصعب ان يتفتت شيء تحب كماله.

ولكن وفجأة لن يتغيّر شيء،

ولم تطلبِ الشمسُ شكرَ الأرض،

ولكن إذا حلّ الخسوف،

سترى الشمسُ حنينَ الضوء

وتتعلم الصبر قبل الشروق.

نعم لن نختلف كثيرًا

عن الحبّ والعطاء ،

لطالما كان الهدف أنبل من الرغبة


 6

قلتُ للظلِّ المتألم على بهجتي:

لم ينقصني شيء، سوى الحبِّ

الذي يمضي معي،

ولا يبحثُ عن محطّاتٍ

فيها الانتظارُ محتوم.

ذاك الحبُّ الذي لا يُصاغ في لغة،

ولا يتورّط في أفواهِ العابثين،

ولو كانت وردةٌ أرقَّ من وجهي،

أو حجرٌ تخلّى عن صلابته لأجلي.

فصار الترابُ

ينادي البذورَ الطائرة،

لتنمو خلفي بُستانًا

يُكذّب الخراب، ويكذبهم، وينعيهم

لموتِ الصدقِ فيهم.

طريقي ليس لي،

ولا لليدِ التي خطّتْه،

هو فُرضَ على الخرائط،

كما يُفرضُ الليلُ

على من لا يحبّ الظلام،

ويُفرضُ البردُ

على المنتظرين دون المعاطف.


أمامي بدايةٌ لا أذكرها، ونهايةٌ

لا أملكُ حقّ رؤيتها.

وما بينهما، حفرةٌ من أسئلةٍ

تتظاهر بأنها وطن،

وطنٌ مؤقّت للمشرّدين من المعنى.

منذ البداية،

كنتُ أنتمي لبيتٍ

نسيَ أن يُغلقَ بابه،

وينتظر قدومي محمّلًا بالمأساة.

لكنني أتركها، وأنامُ على العتبة،

فلن أدخله وأنا أحملُ

ذرّةً من الأسى الأسود.


8


وها أنا،

أحملُ المسيرَ في عظامي، ولا جهةَ

تردُّ السلام.

لو سألني الغريب:

من أين أتيت؟

سأشير إلى المفترق،

وأقول:

من هنا تسرّبنا مثل ماءٍ

فقد وعاءه، وابتكر شكله بيده،

وصار جدولًا

يسابق الأرضَ إلى الحنين.

يا طريقي،

إن لم تَعدني إلى البيت،

فالعُمرُ لا تحمله أكفٌّ

دون ان تورِّثه بشقاء.

فاشهدْ أنني كنتُ

أملكُ حقلاً في قرية، وحقولًا كثيره

كانت تضحك لي، وأعيادًا

تأتي على عكّازين ،ترقصُ قليلاً،

ثم تبكي من شدّة السرور

ترافقنا إلى الحصاد،

وتجمعنا في الصباح مع الديكة،

تنبتُ فينا البهجةَ من الانتماء،

ونكتفي بأننا لسنا ضعفاء.


9

أنا لستُ عابرًا،

بل سيرةٌ مكتوبةٌ على الإسفلت،

على سكّة القطار، على غبار الدروب،

في السماء، وخلف أسماك البحر 

برحلةٍ ممزّقة، وخطىً

فقدتْ ظلالَها في وهمِهم،

وبقيتْ مُضاءةً في الوعد.

أنا مَن تُنبته الأرضُ في كلِّ صرخة.

حتى لو تجمّعتِ الخطواتُ،

وتراكمت التضحياتُ، لتكون

طريقَ فلسطين، منحنيَ الظهر،

يتلوّى، ينكسر في الرمل

تحت الزوابع،

ويعود في وجهي مثل عودِ قمر

غطّاه السحاب…ليستريح.


10

لكنني أبسطُ له قلقي

كبساطٍ شرقيّ، وأمنحه اسمي،

وما تبقّى من الهواءِ

الذي زيّنّاهُ بالوفاء.

سرْ كما أنت،

لا أطلب منك الخلاص،

لكنني أريد أن أصلَ بكَ

إلى حيث لا يعود أحد،

إنه الوطنُ صاحبُ الحياة،

مشدودٌ

بين أصابعِ الغزاة، وعروقِ قلبي.


(ط. عرابي – دريسدن)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .