“المعادلة أن نبقى”
في هذه الرحلة الفكرية، أحاول أن أستكشف ما يختبئ خلف حياتنا اليومية، وما يختبرنا في قدرتنا على البقاء.
النص ليس عن النهاية، بل عن محاولاتنا الصغيرة لصناعة المعنى، عن الغربة التي نرتديها كملابس ثقيلة، والحروب التي تسرق وجوهنا، وعن الجمال الذي يصرّ على البقاء حتى وسط الركام.
مثل شمسٍ حارقة لا تخشى الغيوم، نمرّ من مرحلة القلق، ونسير مع الحياة، نحملها كما تحمل الأرض المطر، ونفتح أعيننا على لحظة صافية، حيث يصبح البقاء فعلًا من أفعال المقاومة والجمال…
وعالمنا الذي نحضّره، بهذه المعادلة البسيطة،
سيبقى. ولكن كيف؟
كيف نواجه قلقنا أمام أساتذة الحرب وسكان مواقع العبث؟
⸻
المعادلة أن نبقى
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 30.07.2023 | نُقّحت 15.08.2025
شمسٌ حارقةٌ تتجاهل الغيوم،
وغيومٌ سوداءُ تعاند الأمطار.
رياحٌ تجتاح الطرقات بلا رحمة،
تجرُّ المدينة على أطرافها بلا جدران،
فيتبعها الحجر.
غاباتٌ تحيا في خوفٍ من نفسها،
وتنتظر المنقذين الذين تأخروا عن الوجود.
الشمسُ حارّة، والمطرُ ممنوع…
يا للوعتنا إذا اشتعلنا، ولم يبقَ لنا أثر.
طيورٌ تهاجر بعد وداع الحقول،
تحمل في مناقيرها طعوم الذاكرة،
لتتذكّر الطريق الذي سيعيدها إلى الوطن.
ولا أحد يبيت في عرش اليقين،
كلّنا نتدلّى على أسواره،
ولا نملك مفاتيح،
نحن أساطير معلّقة في الهواء.
مهاجرٌ لم يعد يحسب أيام الغربة،
فقد صارت أجمل من وطنٍ لم نعد نعرفه.
اللغات تتشابك كخيوط سحرية في الطرقات،
والأصوات لا تنقل سوى صدى الهروب من الذات.
ذواتٌ مثقلة بأجراسٍ لا يرنّها أحد،
كأبقارٍ في فردوس صامت،
لا نسمع قضم العشب،
ولا نرغب في السكينة.
نتدافع نحو شيءٍ أكثر صدقًا
ممّا نتركه خلف ظهورنا،
كأنّنا نطارد أشباح الحقيقة،
ونحن نرتجف من إدراكها.
انتشر الغضب المرح، وصار الجميع يثق بقدرة الآخرين على تصديق الكذب.
نضحك بأفواه فارغة من أتعاب النهار،
نزيّن اللاشيء بابتسامات مصطنعة،
ونخفي الغيبوبة خلف ضحكاتنا.
نعيش اليوم بلا حدود مع التاريخ،
وكلّ يومٍ يلتصق بالآخر كجسدٍ واحد،
نمنحه صفاتٍ جميلة بلا وعي.
هل نحن من يتغيّر، أم أن التغيير يختار وجوهنا الجديدة؟
لم نتغيّر، لكنّ الخوف يغيّر شكله،
فنقف مشدوهين أمام صورته.
كلّ الحروب تقتل الماضي، وتقتلنا،
بعدها نولد غرباء عمّا كنّا.
تغادر القذائف، وينتهي الدمار،
نُصلح الأبواب والجدران،
لكننا ننسى صوت صفّارات الإنذار،
ونقسم أن الطبيعة ستبقى،
تصارع همجية المتحاربين.
الآن، كلّ شيءٍ يخشى الحرب:
صواريخ تمزّق الهواء في سباقٍ أعمى،
غازات تخنق اليعاسيب،
وتلوّن مياه الأمطار،
قنابل تسقط كثمار الموت بلا فصول.
لا حربَ دون ألمٍ يلتهم نكهة المستقبل،
لم ندرك بعد معنى العيش بفهم.
تسيطر البغضاء على الحسابات،
ويطفو الحقد في المعاملات.
نحن من يتغيّر،
والعالم يزداد حزنًا على رحيل السكينة.
مع من نتسابق؟ الفرح أم الزمن؟
نحدّق في سقف الأيام،
المعلّق في حبال مشاعرنا المرتجفة،
نختبر كلّ خطوة بلا أقدام تؤنسنا،
تحكّ الأرض، وتفوح بأصالتها.
العالم يحزن، والحرب تدوي بلا سبب،
كلّ شيء يخسر أو يكسب سوى الحماقة،
والجندي ما زال يتشبّث بالحياة.
نصنعه ليموت، ويصنع الموت لنموت،
والفرق يكمن في بغضاءٍ عمياء لا ترى سوى الدمار.
لكن البقاء هو سيّدنا الوحيد،
وكلّ ما يغيظ النفوس هو عابر.
سرّ البقاء في الغيم وعطائه،
وفي الشمس وإرادتها، وفي الليل والنهار،
يتبدّلون كما يتعبّدون السعادة.
وفي الورود التي لا تعبأ إلا بجمالها،
نبدّل الآفاق، ونصل إلى الحياة… لتبقى.
(ط. عرابي – دريسدن)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .