أحافير ضائعة
بقلم: سيد حميد عطاالله الجزائري
على مشارفِ الفناء،
يقف العابرونَ صفوفًا،
كخرزٍ شدَّ الصائغُ فتلتَه
ثم نسيه على عنقِ الغياب.
نسيتهم الأقدار،
لكن السماء
تخبئ أسماءهم
في كتابٍ لا تمحو صفحاته الرياح.
تساقطت أحلامهم
من جيوبٍ مثقوبة،
كفتاتٍ لم يجدّد دورتَه،
والمصيرُ وحده
يعيدُ الأشياءَ إلى بذورها الأولى،
كما تعودُ الموجةُ إلى رحمِ البحر.
اختُزلت حياتهم في نفخة،
وفار التنور…
لا ليخبز أرغفةَ الضوء،
بل ليبتلعَ قومًا
لم يلتفتوا يومًا إلى قارعةِ الطريق،
كانوا يظنونَ أن النهايةَ إشاعة،
وأن الموتَ عابرُ سبيلٍ
يمكن إقناعهُ بالرحيل.
وفي عناقِ الوداع،
تتهاوى القبلُ تحت أقدامِ المنون،
وترتفعُ الأيدي
لا طلبًا للخلاص،
بل لطرحِ أوزارٍ
عرفتْ أنها كانت من طينٍ
أثقلَ من الروح.
وعلى حافةِ المغيب،
تغيبُ القبورُ عن أمانٍ لم تولد،
وأُجهضت في رحمِ أمنياتٍ موؤودة،
كطيورٍ عرفت الطيرانَ
فلم تجد سماءً تكملُ رحلتها.
في جيوبِ الليل
يضع النهارُ يديه،
لا ليمنحَ المسافرَ تذكرة،
بل ليُخرج ساعته،
ويعدَّ الخطوات:
لا تُسرع…
ولا تتباطأ…
فأنتَ من الواصلين.
تبتسمُ الشمسُ
من حفنةِ الأعمارِ الممنوحةِ للآدميين،
وتراها قطرةً
في محيطٍ لا ينتهي،
لا تكفي لقصيدة،
ولا لمقطعٍ من حوليةِ الشمسِ المعمّرة.
ومن خلف التلال،
تتنصّت الرياحُ على أنين العابرين،
تحملهُ إلى صخورٍ
عرفت أجيالًا من الموتى
أكثرَ مما عرفت أجيالًا من الأحياء.
ينعطفُ المارّةُ عن الطريق،
خوفًا من الهاوية،
لكنهم يسيرون إليها
مهما مالوا عنها،
كما يسيرُ الحلمُ إلى يقظته،
والضوءُ إلى ظله،
والطفلُ إلى شيخوخته.
وما هذا الطمي الذي تواروا خلفه،
إلا عودة هادئة في رحمه،
على أمل أن يلدهم مرة أخرى
فينحتهم القدر كما تنحت الرياح
أنف الجبل.
توقفوا…
في زمنٍ ربما لم يكن زمنهم،
وصاروا أحافيرَ
بدّدتها السنون،
أحافير تحملُ ملامحَ الفزع
وأصابع التشبثِ بالفراغ،
وأعينًا اتسعت أكثر مما يجب،
حين نظرت في وجه النهاية.
وستجيءُ المعاولُ يومًا،
لا لتبعثهم بشرًا،
بل لتخرجهم أحافيرَ
منسية،
تضعها المتاحفُ خلف زجاجٍ بارد،
ليحدق فيها الغرباءُ طويلًا،
ثم يمضوا…
وكأنهم لم يروا يومًا أنفسهم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .