الاثنين، 11 أغسطس 2025

الساعة من الخلف بقلم الراقي طاهر عرابي

 "الساعة من الخلف"


في حضرة الجشع، يترنح الإنسان بين ظلاله،

يجمع المآل كما يجمع الرمل بين أصابعه،

يهرول خلف الذهب، يحبس أنفاسه في صناديق لا تنتهي،

كأنّ الحياة مجرد تجارة، والموت مجرد ورقة حساب.


لكن الزمن لا يرحم، لا يساوم على هدر اللحظات،

عقارب الساعة لا تملك الرحمة، ولا يعرف الجشع لها قيمة،

في النهاية، لا يبقى سوى الفراغ، ولا يرث أحد سوى صدى دقاتها،

حيث تنكشف الحقيقة: لا مال يوقف الساعة، ولا ثراء يحمي من الفناء.



قصيدة سردية للشاعر والمهندس طاهر عرابي

دريسدن – 16.11.2024 | نُقّحت 11.08.2025


يولدون في أسرّةٍ مزدانةٍ بالأجراس الناعمة،

يمضون في الحياة،

يختارون ما يميزهم ويرضيهم،

حتى لو كان الخطأ،

يتنفسون بأنفٍ اعتاد اختيار الهواء،

يجمعون ويبخلون،

ويموتون في توابيت مظلمة،

تقبض أيديهم تحيةً للحياة التي عبرت،

وهم أموات،

وتحيةً للموت الذي سيبقيهم أمواتًا.


لا شيء يقال بلا جدال،

فالساعة الجدارية تراقب الجميع،

لا ترحم أحدًا،

ومن خلفها تدور العقارب بعكس الزمن،

وبعكس الوجوه التي تحدّق فيها.


كان رجلاً يرى نفسه وصيًا على المال،

يجمعه كي لا يعبث به من لا يستحق الحياة،

يراهم كثيرين،

لا يستحقون مشاركته الهواء وماء المطر،

لكنه لم يقدّم لهم ضحيةً واحدة،

علّهم يحبونه أكثر، ويقولون “مِنّا”،

علّ الزمن يصير أكثر رأفةً به.

لكن… إن شحّ البخيل، فلمن نصلي؟


رأيته منسيًا، وحيدًا،

ينظر إلى ساعة الجدار،

يصرخ في عقاربها بعد أن لوى أعناقها:

“توقفوا ولو ساعةً واحدة!

أريد رؤية الوقت الذي لا وقت فيه!

لماذا تهرولون في رتابةٍ تأكل مني ما كنت؟

أخشى ذوباني… كما يذوب حجر الملح في المطر،

انحنى ظهري… ولا أصدق!”


عدّ أمواله… ومضت الساعات،

وتذكر قول القديس: “في القبور لا توجد أسواق”،

فشتمه وضحك:

“كيف يأخذ القياصرة أموالهم معهم؟”

سهر حتى منتصف الليل،

ورنت الساعة دون استئذان،

بلا حزن أو فرح، كما تفعل دائمًا.

قام وشد أثقالها، وقال:

“ما يسعدني أني أمنحك القوة لتدور عقاربك،

فتعجّلي من هلاكي أنا.”

ثم غفا… ومات.


ومع أول صباحٍ للموت،

لم تكترث الساعة بالمعزين،

ولا بالورثة وهم يدونون الميراث.

جمعوا المال… تناقلوا الصور،

كأنها بهجة تُسكر،

ضحكوا… ثم اختلفوا على الساعة،

يتذكرون حقد الميت على عقاربها،

البخيلة… التي سرقت منه زمنًا لم يُمنح.

فكّوا العقارب،

وتركوا الجرس يدقّ،

ليتذكروا الميت،

ثم انصرفوا…

وعادت الأيام تلتهم ما تشاء من الساعات.


على ضفة النهر المقابل للقبر،

يقف قصرٌ قديم مهجور، مترهّل النوافذ،

تحيط به حديقة سرو ضخمة،

تنتشر حوله الأقاويل: “القصر مسحور”،

ونسج الناس حوله الحكايات،

ليبقى بلا مشترٍ.

صاحبه يخرج عاري الجسد ليتفقد النوافذ،

وتسكنه ثلاث ساحرات،

مطلّقات منذ ألف عام،

يحيكن قمصانًا من خيوط العناكب،

ويتحلين بطحلب الجدران.


أوقفن الزمن… وبقين بلا فائدة،

يرتعدن خوفًا،

ومقتنعات أن الموت لا علاقة له بالزمن،

أنهما نقيضان،

وأن السحر بينهما حدّ لا يعبره أحد.

فالزمن لا يستطيع محو الموت،

ولا الموت يكسر الزمن،

أما النوافذ فمفتوحة دومًا،

فلا خوف من المترصدين إلى الأجساد

المملوكة للعبث.


كان الخوف يسكن كل من يشاهد النوافذ المظلمة،

أما الميت، فأحبّ ذلك القصر منذ زمن،

لكنه لم يشترِه،

مقتنعًا أن أحدًا لن يجرؤ على شرائه،

فسيبقى له دون مفتاح،

وثمنه… غير مدفوع.

وكان يقول:

“ما أجمل أن تملك شيئًا يخشاه الناس.”


قال مرة أمام الساعة الجدارية،

دون أن يكترث له أحد:

“الساحرات هنّ أصدقاء من نسي الحياة،

يعشن ألف عام،

ولا يبدعن في شيء،

إلا إلغاء الساعات،

وقتل العقارب،

وإمساك النواس المملّ من عنقه!”


فهمست الساعة، بتلذّذ المنتصرة:

“ستذهب فارغًا من كل شيء،

وأنا هنا،

لن يرثني سوى الزمن،

سأبقى أدقّ… وأدقّ…

والنواس يناجيني:

ما أبشع أن تغفل عني…

وتذهب إلى أبشع مكان تخشاه.”


ومع آخر دقّة،

بدا النواس كأنه يتثاءب،

لا جدوى من الأثقال…

حين تسبق النهايةُ الزمن،

ثم توقّف لحظة،

كأنه ينتظر الميت ليمدّ له يده،

ويحرّك الأثقال،

لكن اليد لم تتحرّك،

وعاد النواس يتأرجح…

بلا صاحب… وبلا زمن.


طاهر عرابي – دريسدن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .