„هزيمة الغول“
في كل إنسان، يوجد غول يختبئ بين خيوط الحياة: قسوة الظلم، شغب النفوس المريضة، طغيان القوة، وغدر الزمن. هذا الغول ليس كائنًا خارجيًا فحسب، بل انعكاسٌ لكل الشرور التي نحملها ونواجهها.
هذه القصيدة رحلة صراع بين الإنسان وغوله، صراع يستكشف حدود الإنسانية، قوة الإرادة، وقدرة النفس على استعادة الصفاء والحياة بعد الخراب. هي تأمل في الحق والباطل، في الاستسلام والمقاومة، في الألم والماء الذي يروينا بعد العاصفة.
هنا، يصبح الغول رمزًا للطغيان في الداخل والخارج، والنهر والشمس والماء رمزًا للتجدد والانتصار على الخراب. كل حدث وكل صراع هو درس، وكل انتصار على الغول هو ميلاد جديد للحياة.
⸻
هزيمة الغول
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 30.09.2024 | نُقّحت 14.08.2025
نسجتُ للحياة ثوبًا من حرير،
أتلمّسه على جسد الزمن،
كزغب البراءة في عمق روحي.
أناشده أن يمتلئ بعطر مفقود،
يستحضره من قطن الشجر،
ويلونه بلون الصفاء،
فكل خيط فيه نبض حياتي،
وأنا أهوى البياض النقي مثل صفائح النجوم
القادمة من عمق السماء.
لكنني صرتُ هدفًا…
هدفًا لأنني إنسان.
ما أبشع أن تكشف قلبك، فيرونه غنيمة للذئاب.
يمزّقون ثوبي حتى لو سال الدم،
ويضحكون وأنا أتذوّق القهر رمادًا أسود.
لا أحد يراك من الداخل، ولا أنت ترى نفسك،
لولا الحواس لصرتَ قطعةً كذنب القط.
حميت نفسي من شغب النفوس المريضة،
لكن التمادي غدرٌ لا يُغتفر.
لم نحطّم جدار الزوال،
ولن نكون خالدين لألف عام.
أليس هذا درسًا عظيمًا؟
كأنكم تمشون في جنازتكم وأنتم تظنونها عرسًا.
ما أجمل بلوغه ونحن نعطي حياة،
وما أجملنا حين نشير إلى الجميع،
دون أن نغضّ الطرف عن أحد.
شيء ما كان مهووسًا بالقوة،
طاغٍ يبرّر فعله بحقّ الجريمة.
دفعني المجهول إلى نهر عريض،
ماؤه غدر وخديعة،
صبّ الطاغية فيه وحلًا كالعفن.
قال الألم يبعث البهجة:
“تألّم لأبتهج!”
أناديه:
تمهّل… فكّر في هذا الصراع الظالم،
هل يحق للقوي أن يكون مجنونًا؟
أنا أشقّ الطريق بحثًا عن عقل،
في مركب يتخبّطه البحر،
ويقاوم لا لينجو،
ليقول للموج: ارتفع،
فلا أملك سوى الغرق في بحرك،
شرف عظيم أن يكون قاع البحر وسادتي.
وأنت، أيها الغول المجبول من نفايات اليأس،
تقتلع الحياة كعاصفة عمياء.
احذر فنائك، فهو أقرب إليك
من عرش يذوب في العدم.
لن يحميك كثرة الزبد على شفتيك.
بهجتك في عنقود عنب،
وليست في وحل الطغيان.
دفعني بتلذذ، وقال:
“يجرفك السيل، وسأكون متعاليًا”،
وبعث بالغول ليشدّ ضفتي النهر.
تباعدت الضفاف، وجرفها الوحل،
وأنا أتمسّك بحصى النهر شاهدًا،
لكنني لن أسبح إلى البحر،
ولن أصل إلى منابع الأرض.
صرخت في وجه الغول:
توقّف! لقد مزّقت الضفاف،
وأغرقت الأشجار،
حتى الطيور حملت أعشاشها،
وصار الورد يمشي إلى من يستحق،
للورد حقّ علينا في احترام غنائه.
كأنك أطفأت مصابيحك، وعلّقت أنفك في ضباب المستنقع.
ما حلمك في الشر؟
صمتك صمت الأصنام.
يتساقط ظلك خارج مدار الزمن،
كما يتساقط ورق الخريف خارج النهر.
أنا لا أتقن البكاء ولا الشكوى.
أصنع لنفسي جناحين من أوراق القصب،
وأطير حيث تهوى نفسي.
الشكوى لا تغيّر من بشاعة الغول،
لكنني أعيد الضفاف كما كانت،
وأدع النهر يجري سمحًا.
له صفادعه وأسماكه ويعسوب بنفسجي ضاحك،
حتى الشرنقة تحمل حلم الفراشة،
ونولد مغمضي العيون إجلالًا للحياة.
سمعت دوي النحل،
فهمَّ ألف جسد في جسد،
جبل يتدحرج.
هرب الغول، وظهر ثوب الحرير يغطي جسدي.
شربت من ماء النهر،
داعبت أسماكه، وقلت:
في كل المصائب مصيبة أعظم،
أن ترى في الاستسلام حلًا،
وأن تنطفئ حتى ينساك الظل.
هزمنا الغول… فلنبدأ انتصارًا،
فطعم الماء ضوء يفيض نهارًا.
القسوة في الكلام كقتل متعمّد،
لكن الموت يأتي متأخرًا،
ويفوت العقاب،
ويُحمل على حصى الرماد.
(ط. عرابي – دريسدن)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .