الثلاثاء، 12 أغسطس 2025

صوت المطر بقلم الراقية عبير ال عبد الله

 صوت المطر


الوقت مساء رمادي، المطر يتساقط بهدوء خافت…


في غرفة دافئة، جلست ندى على كرسي هزّاز قرب مدفأة صغيرة تُشع دفئًا خافتًا.

في يدها كوب شاي فقد حرارته، والنافذة أمامها، مغطاة بزجاج مشوّش بقطرات المطر.


في الخارج، على شارع مبلل، وقفت طفلة صغيرة ترتجف في منتصف الطريق.

ثيابها مبللة، وشعرها يلتصق بجبينها.

تلتف حول نفسها بذراعيها، كأنها تصنع من جسدها غطاءً يحميها من البرد.

الفقاعات المطرية تتراقص حول قدميها، كأنها تهمس لها بالونس.


ندى تراقب… لا تتحرك. فقط تتنفس ببطء، وعيناها لا تفارقان الصغيرة.


ثم…


من بعيد، يظهر ظل يتقدّم بهدوء.

الطفلة تراه. ترتسم على وجهها ابتسامة قصيرة، عفوية، لكنها لم تلبث أن اختفت.

نظرتها تغيّرت. ظهر الخوف في عينيها.

انكمشت… كأنها تعرف هذا الظل وتخشاه.


لحظة صمت… ثم بكاء.


الطفلة تبكي، بصمت.

دموعها تنزل وسط المطر.

ندى تريد أن تنهض، أن تفتح النافذة، أن تنادي…

لكن يداها مثقلتان، والنافذة لا تُفتح من هذا الاتجاه.


الظل يمدّ يده.

الطفلة تتردد، ثم تمسك بها.

يسيران معًا، ويغيبان خلف الظلام.


تظل ندى في مكانها، يعلو صوت المطر، وعيناها معلّقتان على النقطة التي اختفيا عندها.

كأن شيئًا ما انفصل عنها… شيء لم تكن تعرفه، لكنها تشعر أنه منها.


فجأة، وقفت.

دفعت الباب بعنف، خرجت راكضة تحت المطر.

تركض… قدمان تغوصان في الطين، أنفاس متقطعة، وعيناها لا تفارقان ذلك الظل الغامض.


 لا بد أن أجدهما… لا بد أن أعيدها إليّ.


تتعثّر، تنهض، تستمر.

المطر يثقل جسدها، والبرد يلسعها… لكنها لا تتوقف.


ثم توقفت.

هناك… على بُعد خطوات، وقفت الطفلة، والظل إلى جوارها.


الطفلة تنظر إليها.


نظرة دهشة، ثم ابتسامة مختلفة…

دافئة، واثقة، مطمئنة.


اقتربت بخطى خفيفة، ومدّت يدها الصغيرة.


وقالت:


 "كنت خائفة أن تتركيني، يا ندى…"


ندى تجمّدت.

هي؟ هذه الطفلة؟


تأملت عينيها جيدًا…

نفس الانكسار… ونفس الرجاء الذي لم يخذلها.


انحنت إليها، واحتضنتها.

المطر ينزل من فوقهما كستار مسرحي يُسدل بهدوء.


وفي داخلهما… شيء ما عاد لمكانه.


 لقد أدركت ندى أنها لم تكن تهرب من الطفلة،

بل كانت تهرب من نفسها التي نسيتها.


عادت ندى إلى غرفتها.

ثيابها مبتلّة، أنفاسها لا تزال تهدأ شيئًا فشيئًا، لكن داخلها… أخيرًا استقرّ.


جلست على الكرسي الهزّاز ذاته،

لكن القلب لم يعد كما كان.


النافذة أمامها، والمطر مستمر…

لكنه بدا الآن كرفيق قديم، لا كذكرى موجعة.


مدّت يدها نحو الألبوم.

تصفّحته، توقفت عند الصورة.

رأت الطفلة… نفسها.

وابتسمت.


هذه المرة، الابتسامة لم تكن عطفًا…

بل اعترافًا.


رأت وجعها، وحدتها، صبرها الطويل تحت المطر…

ومدت يدها أخيرًا نحوها… وضمّتها.


 لم تكن ندى تخاف الظل.

كانت تخاف أن ترى انعكاسها القديم فيه.


واليوم… سامحته، واحتضنته.

واليوم… عادت ندى إلى ذاتها.


بقلمي عبير ال عبد الله 🇮🇶

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .