"غزة… دموع من غبار"
هذه قصيدة عن غزة، مدينة الصمود التي تجمع بين الألم والإصرار، حيث تتلاقى المآسي الإنسانية مع روح الكرامة.
هي صرخة في وجه الظلم، ونداء للمسؤولية والوفاء بالإنسانية، ليست مجرد كلمات، بل استحضار لتاريخٍ يعاني ومستقبلٍ ينتظر الأمل.
غزة تواجه إبادة شبه عالمية، حيث يعرف العالم لكنه لا يتحرك، والحصار لا يقتل فقط الجسد، بل الروح أيضاً.
لن تكون غزة عملاقًا جائعًا.
ولن نكون سعداء ونحن نرى وجوهها تحت ركام الحرائق والقنابل.
⸻
غزة… دموع من غبار
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 26.10.2024 | نُقّحت 11.08.2025
1
يا لوعتنا القذرة في مأساتك وحصارك،
وصمة لا تُمحى حتى بعد غفرانك،
نراقب الرياح وهي تذرّي رمادك.
نتوب ألف مرة لننسى، ولن ننسى،
فكيف تنسينا صغارك؟
علّمناهم يومًا أننا خلف البحر، ولهم أقرباء،
أقوياء، إن ارتفع الموج جبالًا ومادت الأرض سنهبط إليكم من السماء.
علّمناهم… لكننا فشلنا، حتى في نقاء الدعاء.
يا قمحًا مفقودًا في أفواه جياعك،
كم من مخلبٍ ينهش فيك؟ وكم من ذراعٍ يُلوى ذراعك؟
دُمّر الشارع، والبيت، وخزانة الملابس، ومواقد الخبز،
ولم يبقَ غير صبرك، غير شموخك، وغير غزة تصارع البقاء ولا تفرّط بحفنة رمل.
سنكتفي بالمديح… تعب الحقّ من النفاق،
وغزة لا تمضغ الكلمات، ولا تشرب القُبل.
إن لم تمتدّ اليد، ستُقطَع أيادينا،
ويغور الرأس خلف الرقبة،
ونصير أشبه بحجارةٍ مسلوقة على نارٍ من جَلل.
هل نستحقّ الحياة ونحن نرقب مأساتك؟
لا نستحقّ الحياة.
والحسابُ القادم قادم،
مثل قبرٍ يتحرّك، يحمل رفاتنا إلى رفاتك.
أخذتنا العولمة إلى الأنانية والمسخ الأخلاقي،
نتنهد ونرسل الرسائل ونحن نشرب القهوة،
ونزور أسواق الطعام.
2
تعالوا نرى: من نحن في مرآة أخلاقنا المتكسّرة،
كألواح الصقيع في زمن برودتنا الأممية،
وأهل غزة حطبٌ لنيران الاستعمار،
دخانٌ يتصاعد من أجسادنا، ولا نشم سوى رائحة العطر،
ونظن أن بيدنا ما يُطفئ الحرب وبأيدينا مفتاح الحصار.
أيدينا فارغة، عقولنا نائمة،
ونحن في غيبوبة السكارى،
نحمل قدح الخجل ونشرب،
وكأن النسيان يصفح عن الفشل.
لن ننسى أننا فشلنا، حتى ولو زيّنا وجه القمر،
وكأن لوم الأمم يحمينا من دق باب الفعل.
وغزة تُحرقنا، ونحن غرباء عن القيم،
غزة تجوب الأرض وجعًا، ونحن في مأزق؛
الأفق تمزّق، ووجهنا انفلق.
عراة نحكّ جلدنا لنشعر بالألم،
لكننا لم نعد نتألم.
من يحكّ القنافذ حينما تتكوّر؟
3
لا مكان آمن لولادة أطفال غزة،
ولا دفاتر تُسجّل: وُلد… في يوم الشدائد.
لا حليب في صدر الأم الجائعة،
كيف نُرضع الطفل غبار القذائف،
ونلفّه بأثواب الموت ونقول له: هل ستكبر؟
إن كبرت، فتذكّر أنك وُلِدت على حجر،
وأن السماء كانت مسنودة على الأقدام،
والأرض تغلي بألف انفجار يشبه البركان،
والغيم صار قلادة الأمل شدّته الحيتان وابتلعته بمطره،
وبقينا عطشى.
أمك تبكي، وأبوك يبكي،
والجيران يتساءلون:
أين دُفن خبز السنجاب الأصفر؟
وما لون الحليب قبل الحرب؟ أحمر أم أخضر؟ وهل يصلح للبشر؟
لقد وُلد الغزّاوي المنسي في زمنٍ تلاشت فيه الذاكرة،
ونسي العالم أن الولادة لا تأتي بإذن الطغاة.
سيولدون ويكبرون،
ونتذكر أن الحياة مقامٌ مقدس،
ومحراب عظيم فيه أسمى القيم.
على عرش الحياة مقام،
حذارِ أن نغلق العيون،
فلا براءة، ولا مهرب من اللوم.
4
لا وداع لغزة،
فالوداع ودّعنا نحن المتفرجين.
صمتنا ودُفنا في قبوٍ مظلم…
وفي القبر المظلم، لم يعد أحد يسأل:
كيف لم نتمكن من وضع الرغيف في موقد؟
لو قدمناه طحينًا…
دعونا نُطلق آخر رجاء،
نجلس فوق قبورنا قبل الموت،
نحدّق في وجوهكم وأنتم تصوّبون نحو أكفاننا،
ونرى موت الخجل فيكم يسبق موتنا.
نبكيكم، لكن لأول مرة نبكي بفرح الفراق الذي فرضتموه.
يا سلاحف البحر البطيئة في العبور،
أين الأخوة؟ وأين الأمومة التي وُلدنا بها معًا؟
بحر غزة لا يبتلع حجارة الزجاج، ولا يساوم الرخام، فأين ستذهبون؟
لا يملك القلب يا غزّة إلا أن يعود إليكِ،
كما يعود الجرح إلى نبضه، والحلم إلى منبت عشقه.
5
يا قاصدي غزّة، والبعدُ بيننا جُرحٌ طويل،
غزّةُ تلاحقني، وخطاها تميلُ نحو الألم،
كيف يكون القربُ بين نارين،
وبينهما قهرٌ وجدارٌ من ثِقَل الظلام؟
أسكتُ الألم، لكنه في القلب يشتعل،
ورحلةُ الرحمة كسحابةٍ
تُصارع بين الريح والمطر.
أعددتُ صفَّ المشاعر،
شيّدتُ قلاعًا من صبر،
وزيّنتُ صدر غزّة بصلابة الغيم.
أنتَ غرسةٌ في تُراب العشق الجريح،
إن سقيتَكَ، وسقتكَ فلسطين،
أزهرتَ قلبًا مُشرقًا،
عطركَ جرحك، سماؤك بحرُك،
وأنتَ الدليل.
غزّةُ نجمةٌ مخنوقةٌ بدخان الحرائق،
لكنها لا تنطفئ.
صدرُها بحرٌ يأبى الغرق،
وإن أثقلته السنين بوهج المستحيل.
يهدمون العروش،
يُعمي البصرَ غبارُ القهر،
لكن الحلم نافذةٌ
تهزم الجدار ولو كان حجرًا أثقل من الصمت.
أخطر اللحظات… رمشةُ غافل،
فلا تعتمد على ظلٍّ يزول،
فالظل وهمٌ عابر،
وهل رأيتَ ظلًّا يصمد يوم الصدود؟
خذني، وسآخذكَ إن مددتَ يديكَ للنجاة،
ما أخفيه من بهجة
لا تطاله عين الوشاة.
اغرف من عمق التراب، وارتشف ضياءه،
واسجد على صدر الأرض،
ففيها كل المجد، وكل الخلود،
كلما اتسع الحزن، ضاقت للقياك الوعود.
كلام الغطّاسين في بحر الصمت مردود،
وصوت الأحرار لا يزول.
خذينا إليكِ، يا غزّة،
وإنّ للصُّبح وعدًا لا يحيد.
(ط. عرابي – دريسدن)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .