الثلاثاء، 5 أغسطس 2025

حين لم نكن غزاة بقلم الراقي طاهر عرابي




حين لم نكن غُزاة

قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 19.09.2021 | نُقّحت 05.08.2025

غُرباء،
نشربُ القهوةَ،
ونجلسُ بركبتينِ متعاكستين،
كما يفعلُ السادةُ في بلادِهم،
ونحن، ومن أرضٍ أخرى، نُقرُّ:
نُشبهكم برشفاتٍ فيها صفاءٌ
يجمعنا على أننا نعرفُ بعضنا البعض،

ونشربُ معكم… بلا نُكران.
عندها نظنُّ أن الإفراطَ في الشكِّ
يؤذي النفس، نتحاشاه
مثل نارِ فتيلٍ لا تلتهمُ زيتَ القنديل.

الكلُّ يُحبّنا كما نحن،
نتفاعلُ معَ النهضةِ بهدوء،
نقضمُ خبزًا حُلوًا، من معجونِ الطحينِ واللوز،
ونبدو طبيعيين، مثل تلك العصافير…
التي تملأ الشوارعَ وعتباتِ المقاهي،
تلتقطُ نفاياتِ الكذب،
وتُلقيها بعيدًا،
فالفمُ المرُّ لا يحتمل ملوحةَ الذكرى.

ُرباء،
نتزوّجُ من نسائهم بلا مهرٍ،
ولا وصاية، ولا أجرٍ مؤجَّل،
نَعملُ معهم، نرتقي،
وقد نُصبحُ أسيادًا،
إنْ تمكّنا من الفوزِ بالتفوّق.
والعقلُ يتفوّق، حتى في الكهوف.
أصبحنا لا نظنُّ أن الإفراطَ في الحبِّ
يُؤذي المشاعر،

ونحنُ في إناءٍ زجاجيٍّ مكشوف،
لنا كواليس… نُخفي خلفها الحرّية،
ولنا جناحانِ مخفيّانِ للوحدة،
تحتَ غطاءِ الدعسوقة.
فماذا تبقّى من الغُربة…
لِنكونَ غُرباء؟
الوطنُ ذابَ في بقاعِ الأرض،
والليلُ واحد،
والنهارُ للجميعِ مُقسَّمٌ:
لموعودٍ… ولمستقبلٍ لا يأتي،
لأنّنا غُرباء.

وسيموتُ الغريبُ إنْ لاحقَ ظلَّهُ في الظلام،
ولوْ حملَ مصباحًا… لرأى الليلَ كما هو:
أسود، لا يُطاق،
تَحتملُهُ حفنةٌ من النجوم،
ولا تكترثُ به، كجسدٍ مؤلم.
فهلْ يعودُ الغريبُ بعقلٍ منير؟
أم أن شيئًا لا يُغيّرُ زُهدَهُ في العُزلة؟
متى نتبرّأُ من الغُربة؟
والأوطانُ تدفعُ بالجبالِ لتسدَّ معابرَ الأمل.

تعالوا نتصالَحْ مع أنفسِنا،
نطوي الخسائر،
أو نكفَّ عن الكذبِ ونحنُ أحياء.

نظنُّ أنَّنا قادرون على الصبرِ… وتحليلِ الصور،
وفي القبر، سنصمدُ ،
 كما لو أن الوقتَ لنا وحدنا،
وحينَ البعث، سننسى أنَّنا خسرنا.

نُقلّبُ أسماءَ أمواتِنا،
نبكي على الأقرباء،
حتى لو لم يموتوا
برصاصِ الغُزاة.

هل النكبةُ — أنَّنا لم نكنْ غزاة؟
هل كانت الهزيمةُ —
أنَّنا لم نتعلَّمِ القسوة؟

لو كنّا غزاةً…
لكُنّا نقتلُ، نسرقُ،
ونُصادرُ الأرض.
إنها قلادةُ الرحمة، نعلّقُها، أغنياءَ وفقراء،
على عنقٍ مثل ساريةِ السفينة،
حُلمٌ نصلُ به، أمناء، إلى كلِّ نهاية.

من نحنُ في المحن؟
نشربُ قهوتَنا،
ونتذكَّرُ الطعمَ القديمَ
لجورِ الطغاة… ولا نذكرُ سواه.

كنْ كائنًا حيًّا، وقلْ:
سنحيا في هذا العمر
مقسومينَ: أسيادٌ،
وأسيادٌ بلا وطن.
وسمِّهم كما تشاء:
مشرّدون، غُرباء،
ضعفاءُ بلا وطن،
أقوياءُ…
بما تبقّى من وفاءٍ في صدورهم.
لو تُخاطبُ الضمير، لوجدتَهُ بلدًا
فيه كلُّ ما تشتهي: من وردٍ… وزاد.

(ط. عرابي – دريسدن)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .