بحر الزوايا
شعر : حسام الدين فكري
***********************
كُنّا ثلاثة في حُفرة واحدة
أحدُنا ألقى بصرهُ، خلف أستار الشرق
ثانينا أحنى رأسه، نحو غابات الجنوب
وأنا..إلى ناطحات الغرب، تطلّعتُ بشوق
ثم دارت السنوات دورتها المحتومة
فتبادلنا أعيُننا
عَبَرتُ آلاف المُدن طيفاً، من الغرب إلى الشرق
نقَل الثاني نظَرهُ الكليل، إلى شاشات الغرب المُتضخمّة
وأودع ثالثنا عينيه المُترّنحتين، بين أشجار الجنوب السامقات
ثُمّ سقطنا جميعاً، في بحر الزوايا !
.........................
وانتبهنا معاً، في لحظة اكتست بالسِحر
هذي الزاوية، خمس وأربعون درجة تقريباً
أدهَشَنا ذلك القرن الغليظ، في مُقدمّة رأس أحدُنا
ثم ألفتتنا ضحكته المريرة، إلى قرنين آخرين في رأسينا !
دبيبُ النمل بِتنا الآن نسمعهُ، يطرقُ آذاننا كهزيم الرعد
وطائر الوقواق ينشر جناحيه، في الطرف الآخر من المُحيط
وطائر الوقواق ينشر جناحيه، في الطرف الآخر من المُحيط
فتُظلّلنا غمامة رمادية تحجب الشمس
النهَارُ يخترقُ الليل حيناً
وحيناً يغرقُ الليلُ، في ضوءِ النهار
قارة "أطلانتس"، لم تغرق بعد
أهلُ الصين يحتفلون، أمام سورهم المُمتد ك "الكوبرا"
المصريون انتهوا لتوّهم، من ابتداع هرم "خوفو" الأُسطوريّ
جيش العرب يُصلّي، في المسجد الأقصى العزيز
كُل الأفيال تراصّت – كجنود حِفظ السلام – فوق خط الإستواء
كيلا تسقط الكُرّة الأرضية، وكُلّ من عليها، في غياهب الفضاء
ثُمّ انبثق القمرُ، ناعماً كالهمس
فسقطنا في زاوية جديدة !
............................
هذي زاوية، تبدو قائمة تماماً
في وجوهنا بُقع داكنة بارزة
تلسعُنا في الليل، تزول في النهار
أصواتُنا عكس عقارب الساعة، تتلاشى نهاراً
وتستحيلُ صريراً يُمزّق قلب الليل
صار قلب الليل يتمزّق، يتمزّق، حتى اختفى الليلُ !
منشورعملاق، زُجاجي مصقول، رُباعي الأوجه
استقرّ أمامنا، نشأ من العدم
فوق رأسه الشمسُ، تنصهرُ رويداً رويداً، بأسُها ينثلم
صفحة السماء تجعدّت، كمعدة نهَشَها الجُوعُ
والشمسُ لها نكهة امرأة هجَرَت بيتها
في لحظاتٍ قلائل، انتظمت كُلّ كواكبها، فوق خيطٍ واحد
عُقداً من الفضة الخالصة، يخترق السُحُب
المُنتظمة بدورها، هالة ثلجيّة حول الكواكب السيّارة
كان "نبتون" – الأبعد دائماً – هو الأقربُ إلينا
"عُطارد" – الأقربُ دائماً – نأي بنفسه، في أقصى الأُفُق
تأجّج "المُشترى" و"زُحُل" و"المرّيخ"، كالشمس تماماً
صارت السماءُ تحملُ أربعة توائم، في رحمٍ واحد !
في اللحظة ذاتها، كان مصيرُ العالم يتقرّر، تحت نيران التداول
"الثمانية الكبار" تراشقوا بالسباب، فوق طاولة بيرلينيّة، موّشاة بالذهب
ومن فتحات السقف الدقيقة، تساقطت قطرات مُتثاقلة، من الزيت الخام
كانت الأرضُ تُحتضر،على فراشٍ من الشوك
ارتشقت فيه رؤوس نووية لامعة
وكُنّا – في حُفرتنا – نترقّب، فلما وطأ الترقّبُ الطويلُ أفئدتنا
ألقتنا عاصفةٌ هوجاء صاخبة
في قلبِ زاويةٍ جديدة !
...............................
انفرجت زاويتنا انفراجاً هائلاً
واتسّعت أعيننا اتسّاعاً خارقاً
أعيننا صارت تمتص الزمن
فوق جباهنا، فراشات أُرجوانية مُبرقشة
تطيرُ نحو السُحُب، ثُمّ تعود لتلتصق بجباهنا
فراشاتنا رادارات، تجعلنا نقرأ مستقبل الأرض
أفزعنا ما علمنا، فتخضّبت أفئدتنا الواجفة هلعاً
الطُوفان الغامر، يزحفُ حثيثاً، من الغرب إلى الشرق
يعلو..ويعلو
يدنو..ويدنو
جيش "الإسكندر الأكبر"، بقاذفاته غير المرئية
يتحدى حلف "القوى العظمى"، في معركة فاصلة
"الجرمان" هبطوا بخيول تسبق الضوء، فوق أرض الهند
"القوقازيون" حفروا لأنفسهم أنفاقاً، تحت جبال "الهيمالايا"
"المصريون" تكدسّوا في سراديبهم الخفية
تحت أرض "الصحراء الغربية" !
أمّا نحنُ، فغرقنا جميعاً في عَرَقنا الأخضر
ولم نفهم لِمَ اخضوضر عَرَقنا هكذا
إلا حين رأينا وجوهنا خضراء داكنة
صرنا أشجاراً، بلا أوراق ولا أغصان !
في تلك اللحظة عينها، اخترق آذاننا صوت هادر
يملأُ السماء والأرض :
" أيّها الراشدون، انتبهوا " !
" أيّها الراقدون، استفيقوا " !
فلمّا بصُرنا بالأسماك الصغيرة - بنات اليمّ – تخلع ألوانها
ثُمّ تنبُت لها أجنحة لامعة، تخترق بها الفضاء
بيضاء، عارية تماماً، من اللون ومن الحياء
وكُلّ الحيتان العملاقة، تدفن رؤوسها في الرمال، كالنعام
أدركنا أننا، أدنى مانكون، من ساعة القيام
فانطلقنا نركضُ، بأقدامٍ تضجّ في ركضها
كموتورات القاطرات
واعتصمنا جميعاً، فوق قمّة
جبل "الدُعاء" !

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .