#العالم_العربي #العالم_الإسلامي
📜 النَّبضُ "5" – العِناقُ الكبير 📜
لَم يَحدُثِ الانفجارُ الّذي توقَّعتْهُ تَعِزْ،
ولا الانبهارُ الصّاخبُ الّذي تهيَّأ لهُ الخيالْ.
بل حَدَثَ شيءٌ أبسَط…
وأعمقْ.
اتّسعتِ القاعةُ دونَ أن تَتمدَّدْ،
كأنّها لم تكن مكانًا أصلًا،
بل حالةً.
النَّبضُ الّذي رافقَهُما منذُ البداية،
لم يَعُدْ صوتًا منفصلًا،
بل صارَ إيقاعًا داخليًّا
ينتظمُ مع التَّنفُّسْ.
ظهرتْ حولَهُما خطوطٌ،
ليستْ خيوطًا هذه المرّة،
ولا مرايا.
مُعادلاتٌ،
أقواسٌ، ثوابتُ، احتمالاتٌ،
انحناءاتٌ دقيقةٌ
تُشبهُ خرائطَ المجرّاتِ
حين تُرسَمُ بيدٍ تُحبُّ الجمالْ.
وفي اللحظةِ ذاتِها،
انبثقتِ الحروفُ.
آياتٌ…
لا تتقدَّمُ المُعادلاتِ،
ولا تتأخَّرُ عنها.
تجاورتْ،
تماسّتْ،
ثم…
تداخلتْ.
رأتْ تَعِزْ مُعادلةً
تتشكَّلُ ببطءٍ،
ثم تنفتحُ في قلبِها
كآيةٍ.
ورأتْ آيةً
تنحلُّ رموزُها
فتصيرُ بُنيةً رياضيّةً
تحكمُ حركةَ الضّوءْ.
وفي قلبِ هذا التداخلِ،
نبتتْ من بينِ الشّقوقِ الصّخريّةِ
نبتةٌ خضراءُ،
صغيرةٌ،
رقيقةٌ،
تتنفّسُ وسطَ هذه الرموزِ العُظمى.
رأتْ تَعِزْ فيها حقيقةً ملموسةً،
كأنّ الحياةَ هي البرهانُ الوحيدُ
الّذي لا يحتاجُ إلى شرحٍ.
همستْ،
والدهشةُ لا تزالُ طريّةً في صوتِها:
«لِماذا لم نَرَ هذا من قبلْ؟»
ابتسمَ سُهيل،
لكنّ ابتسامتَهُ لم تكن انتصارًا،
بل راحةً متأخّرةً.
«لأنّنا أصررنا طويلًا
أن نضعَ العلمَ في جهةٍ،
والدينَ في جهةٍ.
نسينا أنّ السّؤالَ واحدٌ…
وأنّ اللغةَ فقط هي الّتي اختلفتْ.»
اقتربا من مركزِ القاعةِ.
هناك،
لم يكن نورًا أبيضَ،
ولا صوتًا عميقًا.
كان سكونًا حيًّا،
سكونًا يُشبهُ اللحظةَ
الّتي تسبقُ ولادةَ فكرةٍ عظيمةٍ
أو دمعةً صادقةً.
قال سُهيل بصوتٍ منخفضٍ:
«هذا هو العِناقُ الكبيرْ.»
نظرتْ إليهِ تَعِزْ:
«بينَ ماذا وماذا؟»
«بينَ الـ(كيف) والـ(لماذا).
بينَ العقلِ حينَ يكتشفُ،
والقلبِ حينَ يفهمُ.
بينَ الإنسانِ
حينَ يكونُ صادقًا مع نفسِه،
والكونِ
حينَ يفتحُ لهُ صدرَهُ.»
مرّتْ أمامَهُما مشاهدُ
لا تُعرَضُ،
بل تُحَسّ:
عالِمٌ في مختبرٍ
ينظرُ إلى خليّةٍ تنقسمُ
ويبتسمُ دونَ أن يعرفَ لماذا.
امرأةٌ في ليلٍ طويلٍ
ترفعُ يديها بالدّعاء،
وتشعرُ بالسّكينةِ
دونَ أن تعرفَ كيفْ.
طفلٌ يسألُ سؤالًا بريئًا
فيُربكُ منظومةً كاملةً،
ثم يُنقذُها.
قالتْ تَعِزْ ببطءٍ:
«إذن المشكلةُ
لم تكنْ في العلمِ،
ولا في الدينِ…»
أكملَ سُهيل:
«بل في الإنسانِ
حينَ خافَ من الجمعِ،
فاخترعَ الصّراعْ.»
في تلكَ اللحظةِ،
تلاشتِ الحدودُ نهائيًّا.
لم تَعُدِ المُعادلاتُ باردةً،
ولا الآياتُ معلّقةً في السّماء.
صار الاثنانِ لغةً واحدةً
تصفُ نظامًا واحدًا
بقلبٍ واحدٍ.
همسَ الصّوتُ –
لا من فوقَ،
ولا من خارجٍ:
«العِلمُ دونَ وحيٍ
يعرفُ الحركةَ
ولا يعرفُ الوجهةَ.
والوحيُ دونَ عقلٍ
يعرفُ الوجهةَ
ولا يُحسنُ السّيرَ.
وحينَ يتعانقانِ…
لا يضيعُ الإنسانُ.»
أغمضتْ تَعِزْ عينيها،
لم تشعرْ بأنّها تذوبُ،
بل بأنّها تستقرُّ
للمرّةِ الأولى.
قالتْ بثقةٍ هادئةٍ:
«الآن أفهمُ…
لم نُخلَقْ لنختارَ بينَ النّورين،
بل لنحملَهُما معًا.»
أومأ سُهيل،
وفي صوتِه شيءٌ يُشبهُ الامتنانَ:
«ومن يحملْهُما معًا
لا يحتاجُ أن يُقنِعَ أحدًا.
حضورُهُ وحدَهُ
يصنعُ الأثرَ.»
بدأتِ القاعةُ تخفّ،
لا انسحابًا،
بل اكتمالًا.
عرفا أنّ ما بعدَ هذا
لن يكونَ رؤيةً،
بل مسؤوليّةً.
– ختامُ النَّبضُ "5"
حينَ يتعانقُ العقلُ والرّوحُ
لا يولَدُ مذهبٌ جديدٌ،
بل يولَدُ إنسانٌ
لا يخافُ الحقيقةَ.
---
#الأثوري_محمد عبدالمجيد... 2026/2/1
#ملحمةُ_النبضُ_الأول، #أدب_عربي #فكر_إلهام #غيروا_هذا_النظام.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .