في سكون الليل…
في سكونٍ يطلّ من نافذتي على الصمت،
أضع فنجان قهوتي البارد قرب ورقتي البيضاء،
تنتظرني كما لو أنها تعرف ما بي قبل أن أكتبه.
تقترب الأفكار واحدةً تلو أخرى،
عالمٌ يجرّ خلفه عالمًا،
وتسألني بصوتٍ خافت:
عمّن ستكتبين الليلة؟
أعن فارسٍ نبيلٍ
تتزيّن له الطرقات،
وتنتظره أميرةٌ تعرف صبر المواعيد؟
أم عن أمٍّ
تشكو للّيل أثقاله،
وتستودعه دمعةً لا يلمحها سواها؟
أم أكتب عن عاشقٍ
يزخرف السماء باسم حبيبته،
كأن النجوم رسائله المعلّقة؟
عن مَن… ومع مَن… سأمضي هذه الليلة؟
كلُّ مساءٍ يجعلني بطلةَ خيالي،
كذلك الشيخ الذي ما زال ينتظر حبيبته،
ناسياً أن العمر مضى،
وأن الحنين لا يشيخ مهما طال.
وتتزاحم الأفكار من جديد،
تدور حولي كطيورٍ تبحث عن شرفةٍ تهبط عليها.
من منهم يستحق أن يكون حكايتي الليلة؟
أأكتب عن حبيبةٍ
تسأل في سرّها: هل أحبّني؟
وقلبُها ينبض بالشوق لمن أحبّت،
تخشى صدى السؤال أكثر من الجواب؟
أم أكتب عن وطنٍ
يشكو القيود لشعبٍ يأبى الانكسار،
يعرف أن الحرية لا تُمنح،
بل تُنتزع كحلمٍ يُصرّ على العودة؟
أم أكتب عني…
عن عزلتي التي صارت بيتي الذي اخترته،
أغلق بابه حين يعلو ضجيج العالم،
وأفتحه لخيالي وحده؟
كلّ الحكايات تناديني: اكتبي عنّا.
وأنا أبتسم، وأهمس لها:
رويدًا… فالليل ما زال في أوّله،
وفي الصمت متّسع لكلّ شيء.
أمدّ يدي إلى القلم،
فتسكت الأصوات فجأة،
كأن الليل يحبس أنفاسه في انتظار أول حرف.
كلّ القصص تنكمش في زاويةٍ واحدة،
ترقب قلبي،
كأنها تخشى أن أختار حكايةً دون أخرى.
أشعر بأن شيئًا على وشك الولادة…
ربما قصة،
أو اعتراف كنت أهرب منه،
أو صفحة جديدة
لم أمتلك شجاعة فتحها من قبل.
أرفع رأسي نحو نافذتي،
فأجد الصمت ينتظرني هناك،
وقد فهم أنني أخيرًا…
على وشك أن أكتب.
أبتسم،
وأضع أول حرف،
ثم أترك الباقي للّيل…
فهو وحده يعرف
أيّ الحكايات ت
ستحق أن تُروى،
وأيّها يكفي أن تمرّ دون صوت.
بقلمي عبير ال عبد الله 🇮🇶
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .