مُعَلَّقَةٌ: عُودِي إِلَى الفاو… حَيْثُ تُنَادِينِي نَجْمَتُهَا ✦
أَيُعْقَلُ يَا فاو… أَنَّ الدَّرْبَ عَادَ بِي صَدًى وَنِدَاءً؟
وَأَنِّي أَرْجِعُ الآنَ إِلَى مَهْدٍ لَسْتُ مَوْلُودًا بِهِ،
لَكِنَّهُ عَادَ يُنَادِينِي نِدَاءً مَا اسْتَطَعْتُ لَهُ صَدًّا؟
أَيَا فاو… يَا أَرْضَ الأَوَائِلِ،
يَا شَذَى نَخْلٍ يُعِيدُ إِلَى الوَلِيدِ عَبِيرَ أَجْدَادِي إِذَا جَفَّتِ الْمَدَى.
رَجَعْتُ…
وَلَكِنْ يَا فاو،
مَا رَجَعْتُ لِأَجْلِكِ أَنْتِ،
وَلَا لِأَطْلَالٍ تُنَادِي مِنْ بَقَايَاهَا الصَّدَى،
رَجَعْتُ… لِأَنَّهُ مِنْ أَرْضِكِ قَامَتْ نَجْمَتُهُ،
تَسْرِي بِعَيْنَيَّ الضِّيَاء،
نَجْمَةٌ إِنْ نَادَتِ الرُّوحُ انْحَنَى قَلْبِي لَهَا،
وَمَا عَرَفَ الهَوَى غَيْرُ أَتْبَاعٍ لِاسْمِهَا هُدَى.
أَيُعْقَلُ يَا فاو… أَنْ امْرَأَةً مِنْ تُرْبِكِ
جَعَلَتْ مَوَاجِعِي غُرْبَتِي تَتَفَتَّحُ وَرْدًا،
وَجَعَلَتْنِي أَعُودُ إِلَيْكِ
لَا حَنِينًا لِتَارِيخٍ قَدِيمٍ،
بَلْ شَوْقًا لِاسْمٍ أَشْعَلَ فِي صَدْرِي السَّنَاء؟
فَإِنْ كُنْتِ يَا فاو قَدْ حَنِنْتِ إِلَى ظِلَالِكِ،
فَحَنِينِي الأَكْبَر… لِنَجْمٍ مِنْكِ
أَضَاءَ فِي حَيَاتِي مَا أَطْفَأَهُ العَمَى.
وَكَأَنَّ الفاو حِينَ مَرَرْتُ بِبَابِهَا
أَرْسَلَتْ فِي الرِّيحِ اسْمِي،
تَقْرَؤُهُ النَّخْلَةُ وَرَقَةً وَرَقَة،
وَتُعِيدُهُ الْمَوَاسِمُ فِي رَجْفَةِ السَّعَفِ.
يَا فاو… يَا امْرَأَةً تَتَزَيَّنُ بِالأُفُقِ،
كُلَّمَا عَطِشَ الْمَدَى
سَقَيْتِهِ مِنْ مِلْحِ الْبَحْرِ
وَمِنْ دَمْعِ الْمُغْتَرِبِينَ.
يَا فاو… يَا ذَاكِرَةَ الرَّمْلِ حِينَ يَشِيبُ،
يَا صَوْتَ الأُمَّهَاتِ إِذَا نَادَتِ الْغُرْبَةُ أَبْنَاءَهَا
فَتَبَعْثَرُوا كَمَا يَتَبَعْثَرُ اليَمُّ عَلَى رَمْلٍ لَا يَشِيخُ.
رَجَعْتُ… وَكُنْتُ أَحْمِلُ فِي صَدْرِي بَيْتًا مِنْ وَجَعٍ،
وَجَسَدًا أَضْنَاهُ التِّرْحَالُ،
فَارْتَحْتُ حِينَ وَضَعْتُ رُوحِي
عَلَى كَتِفِ أَرْضِكِ،
كَأَنَّكِ كُنْتِ أُمِّي الَّتِي فَقَدْتُ وَجْهَهَا مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ.
رَجَعْتُ… وَفِي يَدِي نَارٌ
لَمْ تُطْفِئْهَا البِلَادُ الْبَعِيدَةُ،
وَلَا غَيَّرَتْ لَوْنَهَا الْمُدُنُ،
فَهَدَأَتْ حِينَ رَأَتْ ظِلَّكِ،
كَأَنَّهَا تَعْرِفُكِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْرِفُ نَفْسِي.
يَا فاو… إِنْ سَأَلْتِ عَنِّي
فَقُولِي كُنْتُ رِيحًا تَاهَتْ فَوْقَ السِّنِينَ،
حَتَّى وَجَدْتُ نَجْمَةً فِيكِ تُشْبِهُ اليَقِينَ،
تُشْبِهُ مَا تَنْتَظِرُهُ الرُّوحُ حِينَ يَطُولُ الْمَسِيرُ.
يَا فاو… إِنْ كَانَ الْبَحْرُ حَارِسًا لِبَوَّابَتِكِ،
فَالْقَلْبُ حَارِسٌ لِذِكْرَاكِ،
وَكُلُّ مَوْجَةٍ تُعِيدُ إِلَى أُذُنِي اسْمًا وَاحِدًا
أَضَاءَ لِي ظُلْمَتِي،
وَأَعْطَى لِلْمَسَافَةِ مَعْنًى.
فَمَا عُدْتُ أَرَى فِي الرَّحِيلِ بُدًّا،
وَلَا فِي الرُّجُوعِ مَنْفًى،
مَا دَامَتْ فِي أَرْضِكِ نَجْمَةٌ
إِنْ نَادَتْ قَلْبِي
قَامَ يَمْشِي إِلَيْهَا
وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا عُمْرٌ مِنَ الْغِيَابِ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .