الأحد، 17 أغسطس 2025

العملاق الأبيض بقلم الراقي طاهر عرابي

 "العملاق الأبيض"


في عالمٍ يترنّح بين هواجس الطوائف وأوهام الخلاص، يطلّ “العملاق الأبيض” لا كمنقذٍ حقيقي، بل كحلمٍ مُلتبس يتغذّى من خراب الجماعة وقلق الفرد.

هذه القصيدة ليست رثاءً ولا دعوةً للثورة، بل وقفة عند مرآةٍ مشروخة نرى فيها ملامحنا وقد اختلطت بوجوه الشياطين، وملأتنا أسئلةٌ تتأرجح بين الرجاء والهلاك.

هنا يتشابك السياسي بالميتافيزيقي، ويتنازع الجمعيّ والفرديّ في نسيجٍ شعريّ مثقلٍ بالسخرية والأسى، يتربّص عند حافة النهار بنبضٍ لا تحرسه الأسوار.



العملاق الأبيض


قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي

دريسدن – 09.09.2024 | نُقّحت 18.08.2025


عناقُ الأشجار لا يكفينا لحمل الثمر،

والدوران في الطريق لا يعني أننا نسير بإرادتنا.

نتباهى ونحن نمسك بالهواء وندّعي أننا نتنفس،

والشفاهُ مغلقةٌ كأزرار القميص.

ما أرخصَنا حين يغلبنا النعاس في فنجان القهوة،

ونترامى وقتَ حصاد السنابل،

حالمين برغيفٍ يأتي من أفران بعيدة.


كيف نتعلّم ما تعلّمناه من شجاعة الوحدة؟

نخرج من البيت كأننا في معركةٍ مع أشباح،

أشباح لها جميع الألوان المشطوبة من ملامح الأخلاق،

ونعود بملامح الشياطين التي هربت من رجمها،

لتحتمي في ظلالنا التي كبرت وسودت

وبنت صروحًا تخيفنا من بعضنا.

نعتذرُ لها بحرص القفل على الباب،

ونُذكّرها أننا غرباء نقطن في متاهاتنا دون نوافذ،

ولدنا على سنابل عطشى،

خبزها قشّ بلا مذاق،

نلوكها محملين بذكريات الماضي وترف من غادروا،

معهم وجوهنا المخصّصة للبكاء.

قسمتنا موزعة على أطراف وطن صار كعكة المستعمرين،

يطالونا من بعيد، يعرفون هويتنا،

والوطن هو المصير الوحيد؛

إن غاب، غابت عنّا الصحوة، وغمرتنا المحن.


2

حين قرّر الله إهلاك الشياطين،

وردّهم عن تخريب الفضيلة،

نسينا أننا نُشاركهم همجية الأحقاد،

فصار الهلاك أقرب إلى الرجاء،

وأشبه بالرجاء لبئرٍ جاف.

لا ندري لمن نستسلم،

ولم نر شيطانًا عالقًا على أسلاكٍ وأسوار المدن،

لنسأله: ما دفعك للهرب؟

الشياطين تقاوم،

ومنذ آلاف السنين لم يغيّروا مَلِكًا،

لم يصنعوا ثورةً تأكل وجه اليقين.

يغزون بشراهةِ الأسود،

ونحن نتبعهم بفتات الحكمة،

لندّعي البراءة،

ما أقبح أن نرتدي ثوبين من سوادٍ وجمر.


3

ماتت جميع أواصرنا مع المستقبل،

حتى أضلاعنا تكوّرت من الغيظ.

ندورُ ونبحث عن عملاقٍ أبيض يظهر لنا،

بلونِ جميع الطوائف والقبائل، والممالك،

وجمهورياتٍ باتت عديمةَ الألوان، تتباهى بالفشل،

ليكونَ منّا… ويخرجنا حتى ولو مزّق في وجهنا

حلم العبث.

وليَعلمْ أنه حين يأتي… سنعشقه بلا خوف من أحد.

حررنا يا عملاق، حررنا من كل فصول النقصان.

في متاهتنا يلعق الغبار اللسان!

كيف نحزن على الخريف،

وصيفُنا بلا ثمرٍ ولا ورد؟

أعناقُنا مأساةٌ للأجساد المترهّلة،

والرؤوسُ خيامُ خيبةٍ مترهّلة،

تلوح في أفق يتكرر بألوان تعتّقت وبهتت،

حتى نبضُ الشارع ضاعَ في الفوضى،

ونبضُ الشريان يذوب تحت الجلد،

وكأنه في متاهةِ المتمرّدين على الفطنة.


4

نتشاجرُ ونتصالح، نتفرّع،

ونحقد، ونحب، ثم نتقاتل.

الرؤية يشوبها الغبش: طوائف أم شعب؟

أم رحيلٌ بلا تعريف؟

والكلّ ينهش من عمره أقراصَ الصبر،

ونبضُ الحرية محاطٌ بأسوار.

فما بقي لنا سوى نبض النهار،

وصراخه في وجوهنا، ورنينه في العروق،

حذارِ أيتها الأجسادُ الوطنيّة!


أيها العملاق الأبيض الجميل،

نُلبسك عباءةً من حريرِ القبائل،

ونجعلك وصيا برسالةٍ منّا.

ما زلنا نتجوّل في شوارع مظلمة،

وندرك أنها مسكنٌ للشياطين،

نلتحف بالخوف،

ونسير بثبات نحو مصيرٍ مجهول.


أصبحنا أبطالًا في مواجهة الخوف،

ننسج الأوهام بهدوء،

لئلا تبتعد عنا ممالك اليقين.

لا شيء يمكنه إيقاف رحلتنا نحو النجاة الخاسرة.

نحن القادمون والذاهبون،

نراقب من ظنّ أنه أقوى،

كيف يسقط وهو يسعى خلف المستحيل.


5

طبائعُنا لا تشبه السكينة،

ولا وجهَ السلاحف في خطى اليقين،

لكننا نحاول عبور أسوار الموت إلى موتٍ جديد.

منهكون من لهفةٍ مريضة،

نبحث عن مأوى في هذا الكون الغريب.

أين نجد راحتنا؟

وكيف نحفظ أنفسنا من السقوط؟


حتى لو غادرنا مهاجرين بحثًا عن محبةٍ ضائعة،

سنبقى متلهفين لحضن الأسرة،

نبحث عن الراحة دون بديل.

قلوبُنا تظل تدور في دوّامة الحياة،

حتى ينفد وقودُها الذي يُخلق في داخلنا،

بلا توجيهٍ منا.


من نحن حقًا؟

ولماذا لم ندرك بعدُ أن الشياطين كانت مجرد لعبةٍ للمهزومين؟

لم تَظلم الشوارعُ المظلمة،

إلا حين نفد اليقين من الضوء.

وحين نفشل، نكتشف أن الشياطين ليست إلا دواءَ الأرق،

وأنها كذبٌ واغتيالٌ للمنطق،

وليست دواءَ المصيبة؛ فحين تتورّم، 

تقتل من حولها.

نحاول دفع الظلام بلا مصابيح،

حتى وإن حدّقنا في شمسٍ بعيدة من تحت ظلال المراوغة


6

تعال… وتعالَ يا أخي، العملاق الأبيض،

هل ما زلت حيًا لأدعوك إلى بداية المشوار؟

اترك كل الأفكار التي لم تولد إلا من خوفك

من الظلم ومن تبعية مفكرين رحلوا

قبل أن تُولد بألف سنة،

وتعالَ لنفكر معًا.


النهار لا يعرف سلطةً، ولا حدودًا،

ولا حدائق تحرسها عيون العاشقين،

في زمن سقوط الشمس.


كنا نشكو بطء حركتنا، وصرنا نخشى اليقظة،

لن ترحمنا مملكة الشك،

حتى لو جلسنا على عرشها.


نولد لنولد، ونموت لنحزن،

وبين الولادة والموت،

يبقى الشكُّ في روعة الحياة،

كوشمٍ على قلبنا لا يزول.


(ط. عرابي – دريسدن)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .