الاثنين، 25 أغسطس 2025

بين وهم الحقيقة وحقيقة الوهم بقلم الراقية رانيا عبدالله

 خاطرة: بين وهم الحقيقة وحقيقة الوهم

كم من الحكايات نسجناها بخيوط من خيالٍ عذب، وأوهمنا أنفسنا أنّها ستظلّ خضراء كأحلام الطفولة، فإذا بها تتحوّل إلى أشواكٍ تُدمي القلب عند أول اختبار. نظنّ أنّ الكلمات وحدها تكفي، وأنّ الوعود تُقيم صروحاً من نور، لكن الحقيقة القاسية تهمس دائماً: لا حياة تُبنى على أوهام، ولا قلوب تبرأ من خديعة الحروف.


لقد علّمتني التجارب أن بعض البشر يُتقنون التزيّن بالفضيلة كما يتقن النجار صنع الأقنعة من خشب هشّ، يلوح بوجهٍ من نورٍ زائف ثم ينكسر عند أول لمسة صادقة. كأنهم يمشون على خشبة المسرح مرتدين أقنعة مقلوبة، يلوّنون وجوههم بزيف البسمة بينما خلفها تسكن عتمة الخداع. في البداية، تظنّ أن الصفاء رفيقهم، لكن سرعان ما تتهاوى أقنعتهم، فتتكشف السّذارع، ويتلوّن النقاء بلون الكذب، وتتبخر الوعود كودق في متاهة السراب.


الحياة لا تُدار بالشعارات، ولا تُمنح صدقها إلا لمن يتقن الفعل قبل القول. فالكلمة بلا فعل كالزهرة بلا عطر، شكلٌ بلا جوهر، وصدىً بلا صوت. ومن صدّق الحرف وحده عاش أسيراً لوهمٍ يذوي مع أول ريح، ومن ابتغى النقاء في صورةٍ مزيّفة عاد خائباً تتقاذفه الخيبات.


إنّ أصعب الدروس أن نكتشف متأخّرين أنّنا كنا أسرى لأقنعة، وأنّنا قدّمنا أرواحنا هدايا لمن لم يعرف قيمتها. لكن ما بين الخديعة واليقظة، تولد الحكمة. وما بين الألم والوعي، ينبت الإصرار على المضيّ قُدماً، بلا التفات إلى سرابٍ ولا انحناء لظلٍّ زائل.


فلنُصغِ جيداً لصوت الحياة حين يقول: عش بالصدق وإن قلّ، واطلب الفعل وإن شقَّ، فالوهم قصير العمر، والحقيقة وحدها هي التي تبقى.


بقلم رانيا عبدالله

2025/8/25


🇪🇬مصر 🇪🇬

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .