صرخة القماش
بقلم : سيد حميد عطاالله الجزائري
في جوف الغسالة، حيث تدور الدنيا بلا رحمة، ترتفع أصوات الملابس المبللة بالشكوى.
تصرخ القمصان:
ـ "ويلٌ لنا! نحن لم نُفصّل لنصبح أسرى دوّامة معدنية تخنقنا. كل زرٍ منّا يتنفس، لكن هذه الآلة تعصر أنفاسنا كما لو كنا أعداءها!"
تردّ السراويل وهي تتخبط:
ـ "آهٍ من دورانها! كأننا في زوبعة لا بداية لها ولا نهاية. أيّ قانون إنساني يبرّر أن يُلقى بنا متشابكين، نضرب بعضنا بعضاً، ونُرمى من جدار إلى آخر؟ لقد صرنا أعداء بلا ذنب."
أما الجوارب، فتُسمع ضحكة حزينة من الزاوية:
ـ "كنا نتمنى أن تغسلنا أمّ البيت بيديها. كم كانت تلك الأصابع الناعمة رقيقة! تدلّكنا بحنو، تفركنا كما لو كانت تزيل هموماً، لا أوساخاً. كانت تحادثنا بصمت، وتتركنا نرقص مع الماء برفق. لم تكن سجناً ولا عاصفة، بل حضناً دافئاً يشبه صلاة."
الغسالة من الداخل تضجّ بعنف، كأنها لا تكترث لشكوى أحد.
الملابس تُقذف هنا وهناك، يلتفّ القميص حول عنق التنورة حتى يكاد يخنقها، ويصرخ الجاكيت:
ـ "أطلقوني! لست حلبة ملاكمة، أنا معطف أنيق يُفترض أن يتباهى به صاحبي، لا أن يُركل داخل أسطوانة باردة!"
لكن الغسالة تردّ، بصفيرها المعدني الحادّ، وكأنها تقول:
ـ "اسكتوا أيتها الأقمشة الناعمة، لقد ولّى زمن الأيدي الحنون. أنا جئتُ بسلطة التكنولوجيا. أنتم لستم كائنات شاعرية، أنتم مجرد وسخ يجب أن يُعصر ويُقتلع، ولو سحقتم بعضكم بعضاً. أنتم لستم سوى وظيفة: نظافة بلا ذاكرة."
ترتجف الملابس وتبكي خيوطها:
ـ "أيتها الغسالة القاسية، لقد نسيتِ أننا نُلبس الجسد ونحميه ونزيّنه. كيف تعامليننا كأعداء؟ ألا تعلمين أننا ذاكرة بشرية؟ إن في كل قماشٍ منّا عرقاً من جسد، دمعةً من عين، ضحكةً من فم. نحن لسنا أقمشة وحسب، نحن حياة مطويّة بخيوط."
في تلك اللحظة، تتذكر الفساتين أصابع "أم البيت"، وكيف كانت تداعبها في الحوض القديم.
تقول واحدة منها، بصوتٍ متهدّج:
ـ "كانت ترفعنا برفق، وتضغط علينا كما تضغط على وجنة طفلها، ثم تتركنا للشمس نتدفَّأ ونغنّي مع الريح. أي دفءٍ ذاك؟! أما اليوم فنُلقى كالأسرى في سجنٍ كهربائي، ونخرج مشوّهين برائحة مسحوق لا روح فيه."
ثم نعذّب كأننا سجناء طُلب منهم الاعتراف بالقوة، يسير المكواة الحار على وجوهنا يردم التجاعيد ويضغط ببخاره الحار على خواصرنا الرقيقة،
لماذا؟ هل نحن معتقلون سياسيون؟!
وحين ينتهي الدوران، ويُفتح باب الغسالة فجأة، تسقط الملابس أرضاً كجنودٍ مهزومين خرجوا من حربٍ بلا مبرر.
ينظرون إلى السيدة التي التقطتهم وتقول بابتسامة روتينية:
ـ "الحمد لله… صارت الغسلة بيضاء ونظيفة."
فتضحك الغسالة بخبث معدني، بينما الملابس تهمس فيما بينها:
ـ "نظافة؟ نعم… لكن على حساب كرامتنا."
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .