الخميس، 21 أغسطس 2025

زائر البحر بقلم الراقي طاهر عرابي

 "زائر البحر"


ليس البحر في هذه القصيدة مجرّد ماء وملح،

بل كائنٌ يواجه زائره بالامتحان:

قارب ينقلب، مجداف ينكسر،

وقلب يبحث عن الغفران بين الموج والزبد.


كل من يزور البحر لا يعود كما كان؛

يعود مشدوهًا ومليئًا برغبة دوام الصفاء لمواصلة رحلته في الحياة،

إذ يصبح البحر نغم اليقين ووسادة الأحلام العائمة،

حتى إن فشل المجداف ودار القارب ملهوفًا، يبقى السحر دفينًا في القلب.



زائر البحر


قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي 

دريسدن – 02.08.2023 | نُقّحت 20.08.2025


البحر لا يلتهم شواطئه،

كما تفعل الضغينة في أرواحنا؛

تلتهم الأطراف، وتلوي الأصابع،

ولا تمضغ الأحقاد لتلقيها أشلاء،

فتتكور وتصير كرة حزن تتدحرج على أعمار الناس،

وتطفئ قناديل بهجتهم سنين.


ولا يطمع في الرمل الأبيض،

ليذرّه ملحًا على جرحٍ تعمّق حتى فَصَل بين الروح وقوّة الجسد.


ولا يتهم الصيادين بالسرقة،

وقواربهم تداعب البحر،

وتنزلق على مائه،

كما ينزلق الأطفال على دفء الأمهات.


بحر عظيم في سخائه،

يغفر لنا كلّما نقلنا سلامًا لصدق الوفاء.

هذا البحر الجميل،

نعرفه أكثر من الغيم، ومن قمم الجبال.


كنتُ في قاربي أتشوّل العشق للبحر،

وقلبي يخفقُ كي يرضى،

أني وُلدت من الحنين إليه.

دفعني الصمت، ودفعني غرق الوهم،

حين انقلب القارب،

وأنا مفقودُ الذاكرة في تأمّله،

غائبٌ عن مداعبة الموج لكلّ ما يجده الناس أهلًا للمرح.


حتى لو غرقت،

فللحبِّ استثناءٌ يُقدَّس.


البحر لم يكن مسؤولًا عن غرقي،

ولا عن القارب الذي كان يحملني،

وهو يتراقص زاحفًا على الماء، مزهوًّا ببلوغ الشاطئ.

ولا عن الهواء الذي يرفع الموج تلالًا من المرايا،

يلفّ المرجان بلحافٍ دافئ،

ويحنو على المحار المسكين،

القابع في قاعٍ فسيحٍ من الحرية.


فلا شيء هناك يتمنى أن يكون عابرًا مثلي،

إلى أحضان الشجيرات الشوكية العطشى،

منذ أن هربت الغيوم إلى ينابيع الجداول،

أو عابرًا مظلومًا إلى الكهوف المظلمة،

التي تواسي ألم الطحالب،

لتكون وحيدةً في جوف الجبل.

البحرُ سيّدُ مراسم البهجة،

وسيبقى قلادة الأرض إلى الأبد.


حدث لديَّ تلكؤٌ بين فطنة العقل وجمال الأحاسيس،

وأنا أتأمّل الأفقَ الذي يغمر البحرَ برضًى، وروعةٍ تلامس الشمس.

كدتُ أغرق، والقاربُ يدور كما يشاء،

يلطم البحرَ وكأنني أنا السجّان،

وأنا من يحرم القاربَ من عناق البحر،

وأنا بريءٌ من الخشبِ والمجداف.


لا بدَّ من ضحية لأخرج من مأزق الذكاء البشري حين ينهار. قلت:


“إنه المجداف الذي انكسر،

خشبٌ فاسد، كان مصقولًا بعناية الجمال،

فتَكسر أمام أوّل موجة لامست القارب.”

حزنتُ على لومي للمجداف البريء،

إنه الخوفُ الذي لا تبرره الأفكار السخيفة.


ضحك البحر ليهدّئ روعي.

قلت له متظاهرًا بالشجاعة التي يمنحها العقل ليبقى الجسد:

“الخشب يا سيدي البحر

خان نفسه وأفزعني.

إن أنقذتني سأعود بلا قاربٍ وبلا مجداف.”


مدَّ البحرُ زبده الأبيض، كأنَّه جبلٌ عظيم،

وقال:


“اصعد فوق هذا الزبد،

لتُشاهد ضعفك أمامي، أيها المغرور.”

شعرتُ بالخوف،

بحرٌ يأمرني بفعل المستحيل.

كيف للزبدِ الوهمي أن يكون عاقلًا،

ويحملني كأني بلا وزنٍ، بلا حركة؟

بديعُ القوام، تافهُ المنطق،

مثلُ فقاعةِ صابونٍ… تفرح لحظةً، ثم تنكسر.


قلت:

“لقد كان خشبُ المجداف قويًا وشجاعًا،

لكنني أنا من ضربه بالصخر.

اعذرني، إذ اخترتُ ضحية لأنجو.”


شعرتُ بالخجل، وتكسرت الكلماتُ في لساني

كما يتآكل الرملُ تحت موج البحر.

قلت:


“سامحني يا بحر، لقد كنتُ غافلًا عن جمالك.”

هدأ البحرُ عطفًا عليَّ،

وأذن لي بالفرح،

ولم يغضب لكوني واهنًا في حججي.


لكن المجداف ظلَّ بريئًا،

وأنا من تعلّمت أن أواجه أخطائي،

وأدركت أن الغفران يبدأ مني أولًا،

قبل أن أطلبه من أي كائن أو موج.


كان الشاطئُ خجولًا،

يمتدُّ ليهرب مني،

وقال بعد أن انتظر مرور زوبعةٍ حمقاء ظنّت أنها ستعبث برمله:


“هل تعلّمتَ الغفران، أيها السالي؟

وهل ستكون مثل البحر، لا يلتهم، بل يحتضن ما فيه؟

أنت مسكين، وربما تعود إليك الحكمةُ يومًا

حين تختار مجدافًا يرشدك إلى نفسك.”


(ط. عرابي – دريسدن)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .