الأربعاء، 27 أغسطس 2025

رحيل الصمت بقلم الراقي طاهر عرابي

 "رحيل الصمت"

في هذه القصيدة، أستعرض رحلتي مع الصمت والانفصال عن الآخرين، مع محاولتي لفهم معنى العزلة والوجود بعيدًا عن المظاهر الزائفة.

ليست مجرد قصة انفصال، بل محاولة لفهم نفسي، والبحث عن القوة الداخلية، واللحظات الصغيرة التي تمنحنا شعورًا بالبهجة وسط فراغ العالم.

أدعوكم لقراءة النص بتمعن، ولتكن الصور والكلمات جسورًا تأخذكم إلى صمتكم الخاص.



رحيل الصمت


قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي

دريسدن – 06.06.2024 | نُقّحت 28.08.2025


استغنوا عني…

فإني أستغني عنكم، وأبدلكم

بمحبة الثمار الناضجة بلا مدح،

ثمار لم تعرف إلا ضوءها،

ولا تذوقتها سوى نفسها بلسان الضوء.


فلا قهوة معكم لها طعمها،

إن لم تحمل بهجة الأرواح،

ولا كلمات ترقص كظل في صباح صحو.


لكل شيء ثمن إن نضج…

ولا نضوج في العبث.


نحلم على الوسادة،

ونرى النهار يسدل فراشه فارغًا،

كأن العالم كله قد غاب عن الحواس.

يجبرنا التردد على الوقوف في الفراغ،

فنلمس ذرة غبار، ونقول:

هذا من زهر الزمان.


لن أكون وحدي حزينًا،

أو تائهًا مثل طيور البحر،

لأستريح على ظهر الحوت الأزرق،

أو مقلوبًا على ظلي في غفوة الجريح.


غرزات الإبر تترك أثرها،

والخيط لا يشد أطراف الجرح،

تاركًا الجسد يئن بصمت،

ويهمس بما لم يُقال.


العزلة أن تكون وحدك،

محاطًا من كل جانب،

بألف عينٍ ترقبك،

وألف بابٍ بلا مفتاح.


وأنت القادر على رؤية ما خلف الجدران،

لتهمس في وجه الصمت:

“اكتشفت أني موجود…

وأنا الوجود ذاته، لا في الشكِّ، ولا في تصديقكم.”


حتى داخل حجارة الجدران،

جاءت من جبل كومه البحر،

لتبقى وتذكرنا بمولد اليقين.


سأستغني عنكم،

وأنتم متمسكون بالشقاء في وعاء القطيعة.


فلتظنوا أن القوة هي الكفاح،

في الخروج من الزوبعة،

حتى لو كانت الزوبعة رحيلًا.


وأن العقل ليس مرآة الغافلين دومًا،

لكن الغفلة، دائمًا، مرآة لمن ظن أنه لا يُستباح.


تستباح في الهمس وغروب الشمس،

في شقوق الوحدة،

لا يسكن شيء يُدعى الغفران.


ومع ذلك، هذه الشقوق لا تعني الانفصال،

ففيها هواء يصلح لحياة العصافير.

فلا عتب يداويها،

ولا أمنيات تقرب الجدران، فتختفي في الصمت.


استغنوا عني…

اذهبوا إلى زوايا عالمكم،

ازرعوها مرايا لتجدوا من يرعاكم،

واختفوا هناك،

تحت طاولة الطعام، أو في أدراج الكتب

المغلقة منذ اكتشاف الطباعة،

حيث وصلت الحروف فتخلّقت الكلمات.


فلن أبحث عنكم بين ثنايا عالمكم،

حيث لا صدى ولا أثر،

ولا يطالها نور الرحمة.


فكيف أجدكم في كتابٍ مغلق،

أو في تفاحة فيلسوف؟


عيشوا في رهان مع اليأس،

أو افتحوا نافذةً واحدةً تطل على يوم غد…

لتقبلكم الأرض،

وتسترخي السماء على أمل.


كان اليوم طويلًا، ممتدًا

من أصابع القدم حتى فتحتَي الأنف،

ومضاءً، دون أن يدفع أحد ثمن الضوء.


فخسرنا اللقاء،

وغربلنا النجوم مع بعض حبات المطر،

وشعرنا ببهجة المعتوهين،

كما لو أن العالم ابتسم لنا في صمت،

وعانقنا بلا أن ندرك.


نحن هنا، في عالم يردد وجوده

في ألف لقاء…

خذوا مقاعدكم،

واستمتعوا بنشيدٍ قد يغير الاتجاه.


لا ندري إن كانت الكراهية أجمل من الصمت،

أو إن كان الصمت بريئًا من الملعونين من الهرب.

والكلمات الطيبة مباحة حتى للحجر.


هل تنضج الشموع في مصابيح الليل،

دون أن يجد حولها هواء طيب يعانقها ويحييها؟


ولا ينضج حتى المحار،

إن لم يهزه الموج بشفقه.


استغنوا عني…

إن استطعم البقاء مثل تمثال،

نصفه غارق في الوحل،

والنصف الآخر غطاه روث الحمام.


أنا الهارب منكم،

مثل جورب في حذاء الجري،

أسير طريقًا لا يراه سوى الطريق الجميل الذي اخترناه،

لنكون ملحمة الشوق،

حيث لا شيء يعيقنا عن أن نكون ما نحن عليه…


ولا أحد يسرق فرحنا،

ولا يفر حزينًا في طريقنا.


كما ترى المحار صحوة البحر،

دون عياء، وفي وحدتها البهيجة،

تصارع الزمن بصمت،

وتحتفظ بجمالها الذي لا يزول،

كأنها تعلم سر الخلود في العزلة…


لؤلؤة تترجم الحياة.


كلنا في غنى عن المودة…

لكن في موتها،

سنُعلن الجمود الإنساني…

ونصير حديقةً محروقة،

من أنفاس الغائبين عني،

والعابرين إلى الصمت،

حيث لا تنبت الحياة إلا في صدى الغياب.


طاهر عرابي – دريسدن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .